في عام 2017، كانت بداية رحلة فنية غنية مع الفنان عبد العزيز مخيون، حيث كلفتني جريدة «مسرحنا» بإجراء حوار معه ضمن ملف شامل عن تجربة «مسرح الفلاحين»، وقد أعدت مجموعة من الأسئلة قبل أن أرفع سماعة الهاتف للمرة الأولى، وكان التوتر يعتري قلبي، فهذه ليست مجرد مكالمة عابرة، بل حديث مع شخصية فنية لها وزنها في عالم المسرح.
عندما رن الهاتف، جاءني صوته الهادئ، عرفت بنفسي وأخبرته عن المكان الذي أعمل به، طلبت منه إجراء الحوار، لكنه فاجأني بسؤال غير متوقع: “هل قرأت كتابي يوميات مخرج مسرحي في قرية مصرية؟”، وعندما أجبت بالنفي، كان رده بسيطًا وحاسمًا: اقرئيه أولًا.. ثم اتصلي بي
بعد أن أغلقت الهاتف، بدأت رحلة جديدة للبحث عن الكتاب، قضيت أيامًا أبحث بلا جدوى، ولم يكن أمامي خيار سوى الاتصال به مجددًا، وأنا أشعر بحرج شديد، فأخبرته أنني لم أستطع العثور على الكتاب، وهنا تجلت واحدة من أجمل صفاته، لم يعتب، بل عرض أن يرسل لي نسخة إلى مقر الجريدة، وبالفعل، لم تمضِ يومان حتى استلمت النسخة.
ما زلت أذكر كيف جذبني الكتاب منذ الصفحات الأولى، كان أسلوبه شيقًا وحميميًا، مما جعلني أنهيه في جلسة واحدة، كنت أشعر أنني أقترب من روح رجل عاشق للفن بكل تفاصيله، ومع انتهاء الكتاب، شعرت بأنني بحاجة لتجديد أسئلتي، فكتبت ما يقرب من عشرين سؤالًا، في حماس حقيقي للحديث معه، وعندما اتصلت به مجددًا، كان التوتر قد اختفى تمامًا، فقد عرفت الرجل من خلال كتابه.
سألني أولًا: قرأت الكتاب؟، فأجبته بحماس: نعم، وبدأت أحدثه عن الأجزاء التي أثرت فيّ، قبل أن يبدأ الحوار الذي امتد لما يقرب من ساعتين، ساعتان لم أشعر فيهما بالوقت، كنت أمام رجل عاشق للمسرح، يتحدث عن الفن كما يتحدث المحب عن محبوبته
عندما انتهينا، اعتذر لي عن طول الحديث، لكنني كنت أشعر بالامتنان، وأكدت له أنني كنت في غاية السعادة، بل تمنيت لو استمر الحوار أكثر، وبعد أن أرسلت له نسخة من الحوار، بدا الأمر وكأن الحكاية انتهت، فلم يكن هناك ما يدعو للتواصل مرة أخرى.
لكن الحياة تحمل في طياتها مفاجآت، ففي أكتوبر 2025، كان الفنان عبد العزيز مخيون سيكرم ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمونودراما، وفي تلك الأثناء كنت أعمل منسقًا للجنة الإعلامية بالمهرجان، وطلب مني رئيس المهرجان الدكتور أسامة رؤوف أن أتواصل معه للحصول على تصريح خاص بمناسبة التكريم، وجدت رقمه محفوظًا على هاتفي، لكنني كنت على يقين أنه لم يعد يتذكر رقمي.
اتصلت، والمفاجأة جاءت من أول جرس، جاءني صوته: “أيوه يا شيماء.. إزيك؟”، شعرت بصدمة ممزوجة بفرحة حقيقية، فسألته بدهشة:”حضرتك فاكرني؟”، فقال جملة لن أنساها ما حييت: “وكيف لا أتذكرك؟.. فقد اعتدت ألا أنسى الشطار”، كانت جملة بسيطة، لكنها تركت في نفسي أثرًا كبيرًا
شكرته كثيرًا، وأخبرته أن كلماته تعني لي الكثير، ثم طلبت منه التصريح الخاص بالمهرجان، فاستقبل الأمر بكل ترحاب، وأرسل كل ما نحتاجه، وكأن السنوات الثماني لم تمر، قد يبدو الموقف بسيطًا للبعض، لكنه بالنسبة لي كان واحدًا من تلك المواقف الصغيرة التي تبقى في القلب طويلًا، ولم تنته الحكاية هنا.
فبعد أيام، التقيته مصادفة في ندوة صديق عمره، المخرج التونسي رضا الباهي، ورأيت كيف يكون الوفاء، أن يترك القاهرة ويأتي إلى الإسكندرية لمشاركة صديقه لحظة خاصة، وكان عبد العزيز مخيون جميلًا في إنسانيته، كريمًا في عطائه، محبًا للفن بإخلاص نادر، ومخلصًا لأصدقائه وتلاميذه.
اليوم، ونحن نودع هذا الفنان الكبير، ندرك أن خسارتنا ليست خسارة ممثل موهوب فقط، بل خسارة إنسان ترك أثرًا طيبًا في القلوب، وأستاذًا علّم أجيالًا كاملة أن الفن ليس مهنة فحسب، بل موقف وحياة وعشق لا ينتهي.
رحل عبد العزيز مخيون، لكن بقيت حكاياته، وبقي أثره، وبقيت تلك الجملة التي قالها ذات يوم: «اعتدت ألا أنسى الشطار»، رحم الله الراحل الجميل عبد العزيز مخيون، فبعض البشر يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون الذاكرة أبدًا

