هل يتعلم أبناؤنا؟ منتدى مصر 2026 يفتح الملف الأصعب في التعليم المصري.

القراءة المتأنية فيما أسفرت عنه نقاشات منتدى مصر 2026 في جلسة التعليم التي جاءت ضمن محور ” بناء الإنسان”، تكشف أن ما أثاره منتدى مصر في ذلك الملف الحيوي تجاوز النقاش حول تطوير المناهج أو تطوير الامتحانات، وطرح سؤالًا أكثر عمقًا مفاده.. هل ينجح التعليم المصري في تحويل سنوات الدراسة إلى معرفة حقيقية ومهارات قابلة للتطبيق وقدرة على مواجهة المستقبل؟

ماذا يتعلم أبناؤنا؟

وجاءت الجلسة، التي حملت عنوان ” ماذا يتعلم أبناؤنا.. وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟”، لتضع جودة التعليم في صدارة النقاش، وتربط بين ما يحدث داخل الفصول الدراسية، ومدى استعداد الطلاب للجامعة، وقدرة الخريجين على التعامل مع احتياجات سوق العمل ووظائف المستقبل. وشملت محاورها المعلنة تطوير المناهج، والتقييم، وتأهيل المعلمين، وتنمية المهارات المستقبلية، إلى جانب الربط بين التعليم الجامعي والبحث العلمي والابتكار واحتياجات الاقتصاد.

رؤية الدولة ومطالب أولياء الأمور

تناولت جلسة التعليم في محور “بناء الإنسان” بمنتدى مصر 2026 والذي انطلق اليوم بالعاصمة الجديدة كل ما يشغل الطلاب وأولياء الأمور حول كافة الجوانب المتعلقة بالعملية التعليمية. وكانت أبرز النقاط المثارة في النقاش قضية التقييمات وتطبيق مواد الهوية الوطنية في المدارس الدولية، وفي هذا السياق كشفت ردود محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني أن الدولة عازمة على المضي قدمًا في السياسة التعليمية الحالية، وأنه لا تراجع عن نظام التقييم المستمر في المدارس، ولا تراجع أيضًا عن تطبيق قرار دخول مواد الهوية الوطنية ضمن مجموع الطالب في المدارس الدولية، لافتًا إلى أن وزارة التربية والتعليم في هذا الإجراء إنما تصحح مسارًا كان خاطئًا بتهميش تدريس تلك المواد في المدارس الدولية لسنوات طويلة.

أيضًا، أوضح وزير التربية والتعليم أن قرار دخول مواد الهوية الوطنية في مجموع الطالب ليس قرارًا مفاجئًا كما يدعي البعض، وإنما منحت وزارة التربية والتعليم الطلاب والمدارس الدولية مهلة 4 سنوات للتأهيل قبل بدء التنفيذ. ويؤكد عزم الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم الاستمرار في تطبيق هذا القرار ما أكده رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي حول أهمية تدريس مناهج الهوية الوطنية لطلاب المدارس الدولية.

قياس المردود الفعلي للتعليم

نتائج النقاش الذي تضمنته جلسة التعليم في اليوم الأول من منتدى مصر 2026، تكشف أن سياسات الدولة في ملف التعليم أصبحت تتجاوز السؤال عن إتاحة التعليم ( المقصود به إتاحة مكان لكل طفل في سن الإلزام) إلى سؤال أكثر عمقًا حول المردود الفعلي للتعليم؛ أي أن استراتيجية التربية والتعليم حاليًا لم تعد تقتصر على قياس نجاح المنظومة بما توفره من مدارس وفصول ومقاعد دراسية، إلى قياس ما يكتسبه الطالب من معارف وقدرات، وما يستطيع إنجازه بهذه المعارف في حياته العملية، ما يُمكن اختصاره في الإجابة عن سؤال ما هي الصورة التي يجب أن يكون عليها الطالب بعد الانتهاء من كل مرحلة تعليمية؟

من “إتاحة التعليم” إلى “جودة التعلم”.. التحول الأهم في فلسفة الإصلاح

أبرز ما كشفته الجلسة هو انتقال النقاش من معالجة مشكلات الوصول إلى المدرسة واستيعاب أعداد الطلاب إلى البحث في قيمة ما يتعلمه الطالب بالفعل.

فبحسب ما عرضه وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، شهدت المنظومة تحديات تراكمية شملت ارتفاع كثافات الفصول، ونقص المعلمين، وانخفاض الحضور المدرسي. وأشار الوزير إلى أن نسبة الحضور التي كانت تبلغ 15% ارتفعت إلى 87% في العام السابق، وتجاوزت 90% في العام الحالي، كما أعلن انتهاء مشكلة الكثافات المرتفعة، وعدم وجود فصل يضم أكثر من 50 طالبًا.

وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن المرحلة المقبلة تركز على تحقيق جودة التعليم بما يواكب متطلبات العصر الحديث وسوق العمل، بالتوازي مع تطوير المعلمين والمناهج، مشيرًا إلى أن معالجة المشكلات المتراكمة في البنية الأساسية وأعداد المعلمين تمثل أساسًا للانتقال إلى المرحلة التالية.

هذه الرسائل تعني أن ثمة فارق جوهري بين أن يكون الطالب حاضرًا في المدرسة، وأن يتعلم بالفعل داخلها. فالحضور مؤشر مهم على انتظام العملية التعليمية، لكنه لا يثبت بمفرده إتقان القراءة والكتابة أو القدرة على حل المشكلات أو استيعاب المفاهيم العلمية.

ومن ثم، فإن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في الحفاظ على انتظام الدراسة، بل في تحويل هذا الانتظام إلى وقت تعلم فعلي، ونواتج قابلة للقياس، وتحسن ملموس في مستوى الطلاب.

أسئلة جوهرية

والقراءة المتأنية في نتائج مناقشات جلسة التعليم اليوم، توضح أن وزارة التربية والتعليم تسعى بدءًا من العام الدراسي الحالي إلى وضع إجابات واضحة حول ثلاثة أسئلة جوهرية، وهي: هل يقرأ الطالب ويفهم ويكتب بمستوى يتناسب مع صفه الدراسي؟

هل يستطيع توظيف ما تعلمه في مواقف جديدة، بدلًا من استرجاع المعلومات في الامتحان فقط؟
هل تتوافر بيانات دقيقة تكشف الفجوات بين المدارس والمناطق والفئات المختلفة، وتساعد على معالجتها؟

الإجابة عن تلك الأسئلة هي جوهر السياسة التعليمية التي تطبقها وزارة التربية والتعليم، فقد تجاوزت وزارة التربية والتعليم الحديث عن توفير مقعد لكل طالب، كما تجاوزت قضية الكثافات المرتفعة، وغيرها من القضايا التي ظلت تشكل أزمات لسنوات طويلة، وتسعى حاليًا إلى وضع حلول جذرية من أجل تطبيق نظام اليوم الدراسي الطويل على مستوى كل مدارس الجمهورية بحلول عام 2029، وذلك في إطار سعي وزارة التربية والتعليم لتحقيق تعليم عال الجودة، وهو ما يتطلب وفقًا لما أكده وزير التربية والتعليم أن يتحمل جميع أطراف المنظومة التعليمية متاعب الحلول التي تقدمها الوزارة.