تحل اليوم ذكرى رحيل الموسيقار الكبير بليغ حمدي، الذي يعتبر من أبرز صناع الموسيقى والغناء في مصر والعالم العربي، لتعيد هذه المناسبة إلى الأذهان تجربة فنية فريدة من نوعها، تجمعه بالعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، تجربة لم تتوقف عند حدود الألحان والأغنيات، بل امتدت لتكون صداقة قوية شهدت نجاحات واختلافات وصراعات، وتركت خلفها إرثًا من الأعمال الخالدة.
تعاون بليغ حمدي وعبد الحليم حافظ شكل ثنائيًا فنيًا مميزًا، حيث أبدع الموسيقار في تقديم ألحان عميقة منحت صوت العندليب فضاءات جديدة للتعبير، وجمعت بين البساطة والتجديد، ومن أبرز الأعمال التي جمعتهما أغنية "تخونوه"، التي صدرت عام 1957 ضمن أحداث فيلم "الوسادة الخالية"، وكانت نقطة انطلاق لتعاون مستمر بينهما.
ومع مرور السنوات، تتابعت الأعمال الناجحة، مثل "أعز الناس" و"جانا الهوا" و"زي الهوا" و"موعود" و"حاول تفتكرني" و"أي دمعة حزن لا"، وكلها أعمال ساهمت في تعزيز مكانة الثنائي في تاريخ الأغنية العربية، كما ارتبطت أسماؤهم بأغنية "أنا كل ما أقول التوبة"، التي صدرت عام 1966، مما زاد من تنوع موضوعات وألوان الموسيقى بينهما.
لم يكن إعجاب عبد الحليم حافظ بموهبة بليغ حمدي مقتصرًا على الاستعانة بألحانه، بل كان يعبّر عن تقديره أمام الجمهور، ففي إحدى حفلاته، قدم حليم بليغ للجمهور واصفًا إياه بأنه أمل مصر في الموسيقى، وهو تعبير يعكس مكانته الفنية الكبيرة.
كالعديد من العلاقات الطويلة، لم تخلو صداقة عبد الحليم وبليغ من الخلافات، ففي فترة من الزمن شعر عبد الحليم بأن بليغ قد انشغل بأعماله مع مطربين آخرين، مما أدى إلى توتر العلاقة بينهما، وقد عكس بليغ هذا في حوار قديم له، حيث نفى أن يكون قد ابتعد عن صديقه.
وصل الخلاف بينهما إلى درجة وصف عبد الحليم لبليغ بـ"الإرهاب الفني"، في تعبير عن استيائه، وقد أُثيرت أقاويل حول أغنية جديدة بعنوان "هو اللي اختار"، التي تأخرت في التسجيل، مما زاد من تفاقم الخلاف، لكن الأمور عادت إلى طبيعتها بعد فترة من الصلح.
كانت أغنية "هو اللي اختار" آخر لحن اجتمعا عليه، لكنها لم تر النور كما كانا يتمنيان، حيث تدهورت حالة عبد الحليم الصحية وسافر للعلاج، قبل أن يرحل عام 1977، لتنتهي بذلك مسيرة أحد أبرز الأصوات المرتبطة بألحان بليغ حمدي.
ترك التعاون بين بليغ وعبد الحليم مجموعة من الأغاني التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الموسيقى العربية، فتخونوه، وأنا كل ما أقول التوبة، وجانا الهوا، وزي الهوا، وموعود، وحاول تفتكرني، وأي دمعة حزن لا، كلها أعمال تحمل عبق ذكريات وأصوات خالدة.