الأربعاء، 02 سبتمبر 2026

جمال عبد الناصر يكتب: قبل أن يتلاشى المطر.. حين يفقد الواقع يقينه

جمال عبد الناصر يكتب: قبل أن يتلاشى المطر.. حين يفقد الواقع يقينه

تتعدد الأفلام القصيرة التي تبدأ من فكرة بسيطة، لكنها سرعان ما تتجاوز ذلك لتطرح أسئلة أعمق، وتمنح المشاهد تجربة مكثفة في كل لقطة وصوت، ومن هذا السياق يظهر الفيلم الروائي القصير "قبل أن يتلاشى المطر"، الذي أخرجه حسن عمار، ويقدم تجربة سينمائية نفسية تتجاوز مجرد توثيق الحدث لتغوص في أثره النفسي على الإنسان.

الفيلم ينجح منذ البداية في جذب انتباه المشاهد، حيث لا يحتاج إلى مقدمات مطولة ليعرض جوهر قضيته، فنحن نشاهد أبًا فقد ابنته، لكن الفيلم لا يقدّم الفقد كحدث منتهٍ، بل كقوة دائمة تعيد تشكيل وعي الأب وإدراكه للعالم من حوله، بعد الفقد، يبدأ الأب بفقد إحساسه بالواقع، لتتداخل حدود الحلم والحقيقة.

وعلى الرغم من بساطة الحكاية، إلا أن الفيلم يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا، وهو: ماذا يحدث للواقع عندما يتجاوز الألم قدرة الإنسان على تحمله؟ القوة الدافعة في الفيلم تأتي من هذا الصراع الداخلي، حيث يعيش الأب في منطقة رمادية بين واقع مؤلم وحلم يبدو أكثر احتمالًا، مما يجعل المتفرج يتساءل: ما الذي يحدث فعلاً؟ وما الذي يدور في وعي الشخصية؟

الغموض في الفيلم ليس مصطنعًا، بل نابع من طبيعة التجربة النفسية، مما يعكس اختيارات حسن عمار الإخراجية، حيث يعتمد على الصورة والحركة أكثر من الحوار، مما يتناسب مع طبيعة الأزمة الداخلية التي يعيشها الأب، الذي يجسد دوره الممثل محمد توكل بأداءٍ مؤثر، حيث يتجنب المبالغة في التعبير عن الفقد، بل يقدم القهر الداخلي من خلال نظراته وصمته وحركته، ما يجعل أدائه مقنعًا للغاية.

تتطور الأحداث في الفيلم بطريقة تعيد تشكيل علاقتنا بالمشاهد، حيث كل تحول يدفع المتفرج لإعادة تقييم ما اعتقد أنه فهمه، مما يجعل اضطراب الشخصية يتحول إلى تجربة نعيشها نحن أيضًا أثناء المشاهدة، مما يضفي طابعًا ذكيًا على معالجة الفيلم، ويجعلنا نختبر عدم يقيننا بشأن ما نشاهده.

م
محمد محمود

محرر وصحفي لدى بوابة الدليل المصري، متخصص في تغطية الشؤون المصرية والتقارير الميدانية والتحليلات الإخبارية.