تتجاوز بعض الشخصيات التاريخية حدود الزمن، فلا تنتهي سيرتها مع انتهاء عصرها، بل تستمر في التأثير عبر العصور، ومن بين تلك الشخصيات تبرز رابعة العدوية، التي تحولت من حكاية تاريخية إلى رمز روحي وفني يملأ الوجدان العربي، وقد أصبحت سيرتها مادة غنية للسينما والتلفزيون والمسرح، في تنافس بين فنانات كثيرات للاقتراب من عالمها كل واحدة منهن من زاوية مختلفة.
رابعة ليست مجرد عابدة تقليدية، بل شخصية معقدة، انتقلت من قسوة الواقع إلى رحابة الروح، ومن أسر الدنيا إلى حرية المحبة، حيث أصبح الحب الإلهي عندها موقفًا من الحياة، ولذلك كان المسرح، بفضل طبيعته التي تعتمد على الحضور المباشر، هو الأكثر قدرة على تحويل رابعة من شخصية تاريخية إلى كائن درامي يتفاعل مع الآخرين ومع ذاته في آن واحد.
في عام 1957، بدأت رحلة رابعة العدوية على خشبة المسرح، حيث ارتبطت الشخصية بصوت الفنانة سميحة أيوب، التي قدمتها في الإذاعة ثم في المسرح من خلال مسرحية «رابعة العدوية» تأليف يسري الجندي وإخراج شاكر عبد اللطيف، إذ جسدت سميحة أيوب الشخصية بمشاركة يوسف شعبان وعدد من نجوم المسرح المصري، وقد تم عرض العمل في عام 1980.
تجسد رابعة شخصية عميقة لا تعتمد على الحركة بل على الحضور الداخلي، مما جعل التحدي أمام أي ممثلة تؤدي شخصيتها هو تجسيد الزهد كفعل مسرحي، حيث أن الصمت يحمل دلالات عميقة والكلمة تكشف عن جوانب جديدة.
وفي تجربة مسرحية أخرى بعنوان «رابعة زهرة العاشقين»، تم تجسيد رابعة من قبل عفاف شعيب وريهام عبد الحكيم في مرحلتين عمريتين، حيث أدت ريهام دور رابعة في مرحلة الصبا، بينما قدمت عفاف الجانب الناضج من الشخصية، مما يعكس تطور رابعة من إنسان يبحث عن المعنى إلى إنسان وجد المعنى، وقد أضافت ريهام جانبها الغنائي الذي يعد عنصرًا أساسيًا في شخصية رابعة.
كل ممثلة قدمت رابعة برؤيتها الخاصة، فتحولت سميحة أيوب إلى رابعة من منظور المسرح الجاد، بينما قدمت عفاف شعيب الشخصية من زاوية النضج الإنساني، مما يعكس تعقيد هذه الشخصية وتعدد أبعادها في الفنون المسرحية.