على مدار تسعة عقود، شكلت مشاركات المنتخبات العربية في كأس العالم محطات بارزة في تاريخ كرة القدم، حيث كانت هذه المشاركات شاهدة على تطور الأداء العربي وقدرته على المنافسة في أكبر المحافل الرياضية، بدءًا من ظهور مصر في 1934 وصولًا إلى إنجاز المغرب في 2022، مما يعكس تطلعات وآمال الجماهير العربية في كل أنحاء العالم.
رغم أن تسعة منتخبات عربية فقط تمكنت من الوصول إلى النهائيات، إلا أن الطريق لم يكن سهلاً، إذ واجهت هذه المنتخبات تحديات كبيرة أمام عمالقة اللعبة، لكن بعض الإنجازات ظلت محفورة في ذاكرة الجماهير كعلامات فارقة غيّرت نظرة العالم إلى الكرة العربية.
مصر تفتتح السجل العربي في كأس العالم
كانت البداية في إيطاليا عام 1934 عندما أصبحت مصر أول منتخب عربي وأفريقي يشارك في كأس العالم، حيث واجه المنتخب المصري نظيره المجري في مباراة خروج المغلوب، ورغم الخسارة 4-2، سجل عبد الرحمن فوزي أول هدفين عربيين وأفريقيين في البطولة، مما وضع أساسًا لمسيرة عربية طويلة في المونديال.
بعد غياب استمر عقوداً، عاد الحضور العربي عبر المغرب في نسخة المكسيك 1970، ورغم عدم تجاوز الدور الأول، حقق المنتخب المغربي إنجازاً مهماً بحصوله على أول نقطة عربية في تاريخ كأس العالم بعد تعادله مع بلغاريا، كما قدم أداءً لافتاً أمام منتخبات قوية، مؤكدًا قدرة المنتخبات العربية على مقارعة الكبار.
تونس تحقق الانتصار الأول للعرب في كأس العالم
التحول الحقيقي جاء في الأرجنتين عام 1978 عندما حقق المنتخب التونسي أول انتصار عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم، حيث قلب “نسور قرطاج” تأخرهم أمام المكسيك إلى فوز مستحق 3-1، في مباراة اعتُبرت نقطة تحول مهمة للكرة الأفريقية والعربية معاً، ولم يكن ذلك الانتصار مجرد ثلاث نقاط، بل رسالة واضحة بأن المنتخبات العربية قادرة على تحقيق نتائج تاريخية.
وفي إسبانيا عام 1982، صنعت الجزائر واحدة من أشهر مفاجآت كأس العالم، حيث نجح “محاربو الصحراء” في تحقيق فوز تاريخي على ألمانيا الغربية بنتيجة 2-1، ورغم خروج الجزائر من الدور الأول بسبب ما عُرف بـ”مباراة العار”، بقي ذلك الانتصار واحداً من أكثر الأحداث شهرة في تاريخ البطولة.
بعد أربع سنوات، واصل المغرب كتابة التاريخ في مونديال المكسيك 1986، حيث أصبح “أسود الأطلس” أول منتخب عربي وأفريقي يتأهل إلى الدور الثاني، وجاء التأهل بعد تصدر المجموعة التي ضمت إنجلترا وبولندا والبرتغال، ورغم الخروج أمام ألمانيا الغربية بهدف متأخر، فإن المغرب وضع معياراً جديداً لطموحات المنتخبات العربية.
وفي الولايات المتحدة عام 1994، سجلت السعودية اسمها بين كبار القارة، حيث نجحت في بلوغ الدور ثمن النهائي بعد فوزين مهمين على المغرب وبلجيكا، وشهدت تلك النسخة الهدف الأسطوري لسعيد العويران، وهو الهدف الذي ما زال يُصنف ضمن أجمل أهداف كأس العالم عبر التاريخ، بذلك أصبحت السعودية أول منتخب عربي آسيوي يبلغ الأدوار الإقصائية.
أما الجزائر، فقد عادت لتدوين فصل جديد من تاريخها في مونديال البرازيل 2014، حيث نجحت في تجاوز الدور الأول للمرة الأولى، وقدمت أداءً مميزاً في دور المجموعات قبل أن تواجه ألمانيا في ثمن النهائي، ورغم الخسارة بعد التمديد 2-1، فإن المنتخب الجزائري فرض على بطل العالم المستقبلي واحدة من أصعب مبارياته في البطولة.
إنجاز مغربي غير مسبوق في كأس العالم
لكن الإنجاز العربي الأكبر جاء في كأس العالم 2022 بقطر، حيث لم يكتفِ المغرب بتكرار إنجاز 1986، بل تجاوز كل التوقعات ووصل إلى نصف النهائي، ليصبح أول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز منذ انطلاق البطولة عام 1930.
بدأ منتخب المغرب رحلته من مجموعة صعبة ضمت كرواتيا وبلجيكا وكندا، لكنه نجح في تصدرها بجدارة، ثم أقصى إسبانيا بركلات الترجيح في مواجهة تاريخية تألق خلالها الحارس ياسين بونو، قبل أن يهزم البرتغال بهدف يوسف النصيري في ربع النهائي، وبذلك دخل المغرب التاريخ من أوسع أبوابه، وأثبت أن المنتخبات العربية قادرة على الوصول إلى مراحل كانت تبدو بعيدة المنال لعقود طويلة.
وفي النسخة نفسها، حققت السعودية مفاجأة مدوية أخرى عندما تغلبت على الأرجنتين 2-1 في دور المجموعات، حيث لم يكن أحد يتوقع أن يتعرض المنتخب الأرجنتيني، الذي توج لاحقاً باللقب العالمي، للخسارة أمام “الأخضر”، مما جعل المباراة واحدة من أبرز مفاجآت كأس العالم الحديثة.
وبالنظر إلى المسيرة العربية في البطولة، يتضح حجم التطور الذي شهدته كرة القدم العربية عبر العقود، حيث انتقلت المنتخبات العربية تدريجياً من مجرد المشاركة الرمزية إلى مرحلة تحقيق الانتصارات ثم بلوغ الأدوار الإقصائية، وصولاً إلى المنافسة بين كبار العالم كما فعل المغرب في قطر.
ومع اقتراب كأس العالم 2026 واحتمال مشاركة عدد غير مسبوق من المنتخبات العربية، تبدو الطموحات أكبر من أي وقت مضى، حيث أصبح الحديث يدور حول إمكانية تكرار الإنجاز المغربي أو حتى تجاوزه، وبين الماضي المليء بالتحديات والحاضر المفعم بالأمل، تواصل الكرة العربية كتابة فصول جديدة من قصتها في كأس العالم.

