تأتي الذكرى العشرون لرحيل الفنانة هدى سلطان لتعيد إلى الأذهان مسيرة فنية حافلة، حيث تميزت بشخصيتها المتعددة الأبعاد، فكانت الأم المصرية الأصيلة في الدراما، ونجمة السينما التي أسرت القلوب بصوتها العذب، كما أنها كانت تجسد روح الطفولة وذكرياتها في كل عمل قدمته، تاركةً بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن المصري.

استعادت هدى سلطان في حواراتها الصحفية ذكريات طفولتها في طنطا، حيث كانت تتجول في الحقول قبل العيد لشراء الخس والملانة، وتجمع الأسرة والجيران للاحتفال وسط أجواء ريفية بسيطة، لكن ما علق في ذاكرتها لم يكن الاحتفال بل نذيرها بحدث سيئ، إذ رأت أن تراجع محصول الملانة قد يكون علامة على شيء غير جيد، وبعد شهور جاءتها نبوءتها عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، لتصبح تلك الواقعة حديث عائلتها لسنوات طويلة.

ولم تكن النبوءات وحدها ما يميز طفولتها، فقد كانت تمتلك روحًا مشاغبة جعلتها تدبر واحدًا من أشهر المقالب في بلدتها، حيث روت في حوار لها كيف أطلقت هي وصديقاتها شائعة عن أحد أثرياء طنطا المعروفين بالبخل، بأن الرجل سيقيم مأدبة رمضانية ضخمة يحضرها الشيخ محمد رفعت، مما أدى لتجمع الأهالي أمام قصره، ليكتشف لاحقًا أنها مجرد مزحة من مجموعة فتيات صغيرات.

وفي رمضان أيضًا، كانت هدى سلطان محط أنظار الجميع بحماسها للصيام، حيث كانت تقف في شرفة منزلها وتردد الأذان بصوت عالٍ مع المؤذن، مما أثار جدلًا بين أهل الحي، بينما كانت تضحك عندما استيقظت ذات ليلة على أصوات داخل شقتها، ظنت أنها لصوص، لتكتشف لاحقًا أن الخادمة جاءت لإيقاظها للسحور.

هذه الروح المرحة رافقت هدى سلطان حتى بعد أن أصبحت نجمة كبيرة، حيث وصفتها الفنانة رانيا فريد شوقي بأنها «أم الجميع» في العائلة، بينما أكد الفنان حسن فؤاد أن فريق العمل كان يناديها باسم «أمة»، مما يعكس قدرتها على الجمع بين هيبة الفنانة الكبيرة وخفة ظل الإنسانة البسيطة.

لقد أحبها الجمهور في كل مراحل حياتها، حيث جاءت إلى الفن مطربة ونجمة سينما، تاركةً وراءها صورة إنسانية نادرة لفنانة احتفظت ببراءة الطفلة المشاغبة حتى آخر عمرها، وُلدت هدى سلطان في طنطا عام 1925، وقدمت خلال مسيرتها الفنية عشرات الأغاني والأفلام والمسلسلات التي شكلت جزءًا من ذاكرة الفن المصري، ومن أبرز أعمالها «جعلوني مجرمًا» و«المرأة المجهولة» و«الوتد» و«زيزينيا»، لتكون واحدة من أبرز الفنانات اللاتي نجحن في الجمع بين الغناء والتمثيل على مدار أكثر من نصف قرن.