أعاد عرض فيلم “الست” على إحدى المنصات النقاش حول الطريقة التي تناول بها صناع الفيلم حياة سيدة الغناء العربي أم كلثوم، حيث يكسر الفيلم التقاليد المعهودة في سرد السير الذاتية، مقدماً صورة أكثر واقعية تعكس إنسانيتها وعمق تجربتها.
يتوقع أن يثير الفيلم ردود فعل متباينة من الجمهور الذي يعتبر أم كلثوم رمزاً متكاملاً، لكن صناع العمل اتجهوا إلى تفكيك هذه الصورة المثالية، مما يتيح للمتلقي رؤية الجوانب الإنسانية التي تتجاوز الأسطورة، حيث تظهر أم كلثوم كإنسانة تحمل ضعفاتها وتقبل النقد.
لم يسع الفيلم إلى تشويه صورة أم كلثوم كما تم تداوله على منصات التواصل، بل سعى إلى تحرير مشاعرها الإنسانية من خلال تناول أحداث لم تكن معروفة للجمهور، مظهراً ما كان يُخفى خلف الكواليس من تحديات وصعوبات واجهتها في رحلتها نحو المجد.
يستعرض الفيلم محطات مهمة من حياة أم كلثوم، وهو يعد من بين الأعمال الأكثر جرأة في تقديم صورة حقيقية لشخصية أثرت في الثقافة العربية، حيث يتناول مراحل نشأتها وصعودها إلى قمة عالم الغناء، كاشفاً عن التحديات التي واجهتها في مجتمع ذكوري.
تعتبر الكتابة بهذا الأسلوب الجرئ انتصاراً للكاتب أحمد مراد والمخرج مروان حامد، حيث لا يقتصر الهدف على إدهاش الجمهور بل على توضيح كيف تحولت الفتاة القروية إلى شخصية فنية واجتماعية قوية، قادرة على مواجهة التحديات والمنافسات.
يقدم الفيلم لمحة عن كواليس الوسط الفني في فترة شهدت تحولات اجتماعية وسياسية، حيث يسلط الضوء على الحروب غير المعلنة التي خاضتها أم كلثوم، وكيف كانت تدير فرقتها بقبضة من حديد، مما أسهم في بناء أسطورتها التي لا تزال حاضرة.
تبدأ الأحداث بواقعة حقيقية خلال حفلها في باريس، حيث اقتحم أحد المعجبين المسرح مما أدى إلى سقوطها وفقدانها الوعي، ليستعرض الفيلم لاحقاً مراحل مختلفة من حياتها، مختاراً أحداثاً مصيرية غيرت مجرى حياتها، مثل رفض العائلة المالكة لارتباطها بشريف باشا.
ترجمت الفنانة منى زكي هذه المشاعر الإنسانية في لحظات الضعف والتوتر، كما جسدت صراعاتها مع أعضاء فرقتها ومشاعر الفزع التي عانت منها في مواقف مختلفة، مما أضفى عمقاً على الشخصية.
ورغم عدم تشابهها الجسدي مع أم كلثوم، استطاعت منى زكي أن تأسر الجمهور بتجسيد روح الشخصية، من خلال الأداء المتزن ولغة الجسد التي تميزت بها، مما ساهم في إيصال المعنى العميق للمشاهد، بالإضافة إلى الماكياج والملابس التي ساعدت في الحفاظ على إيقاع الفيلم.
فيلم “الست” يفتح الأفق لإعادة التفكير في كيفية تقديم الشخصيات التاريخية التي تركت بصماتها في المجتمعات العربية، بعيداً عن التقديس أو الإدانة، حيث يضع هذه الشخصيات في سياق إنساني يبرز قصص صعودها وتأثيرها.

