
على هاشم.
حروب الأشقاء.. لا ينتصر فيها إلا الأعداء!
حسنا فعل الأزهر الشريف، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، حين دعا إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة العربية والإسلامية، في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى استعادة صوت العقل، وتغليب الحوار على الاقتتال، وإدراك أن الحروب بين الأشقاء لا تحسم الخلافات بقدر ما تعمّقها، ولا تحمي الأوطان بقدر ما تفتح أبوابها أمام التدخلات الخارجية.
إنها دعوة تستلهم جوهر الشريعة ومقاصدها الكبرى في حفظ النفس والمال والعقل والدين والنسل؛ وهي كليات تجعل صيانة الإنسان واستقرار المجتمع غاية لا يجوز التفريط فيها، وقد وضع القرآن الكريم قاعدة واضحة للإصلاح وحقن الدماء، فقال تعالى: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا» (الحجرات: 9)، وأكد رابطة الأخوة بقوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» (الحجرات: 10). كما حذّر من عواقب التنازع: «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» (الأنفال: 46).
والدلالة السياسية لهذه الآيات لا تقل أهمية عن دلالتها الأخلاقية؛ فالصراعات البينية تُضعف قدرة الدول على حماية مصالحها، وتبدد فرص التنمية، وتمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في قرارات المنطقة. فالحرب بين الأشقاء لا يستفيد منها سوى الأعداء، بينما لا يكون الانتصار الحقيقي بإخضاع طرف لآخر، بل بمنع انهيار الجميع في صراع مفتوح.
لكن الوساطة لا تنجح بالنوايا الطيبة وحدها؛ إذ تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وفهم لجذور النزاعات وتضارب المصالح، وضمانات تحول وقف إطلاق النار إلى تسوية مستدامة. ومن هنا، تبرز أهمية تحويل مبادرة الأزهر إلى تحرك عملي قادر على تقريب المواقف وفتح مسارات تفاوض جادة، بدلًا من الاكتفاء ببيانات التهدئة.
ويبقى السؤال: كيف يمكن لأمة تملك من الروابط التاريخية والدينية والمقدرات البشرية والاقتصادية ما يؤهلها لمكانة أكبر، أن تستعيد قوتها بينما تنشغل بصراعات تستنزف حاضرها وتهدد مستقبلها؟ وأليس الأجدر أن تتجه طاقاتها إلى بناء الإنسان والعلم والاقتصاد، بدلًا من ترك الخلافات تتحول إلى حروب يدفع ثمنها الأبرياء؟
إن نداء الأزهرالشريف يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية: أن يكون الإصلاح اختيارًا سياسيًّا قبل أن يصبح ضرورة تفرضها الخسائر. فحقن الدماء ليس تنازلًا عن الحقوق، بل بداية الطريق إلى تسويتها، وحماية الأوطان لا تتحقق بإطالة الحروب، وإنما بإرادة شجاعة تجعل الحوار سبيلًا للخلاص، وتحفظ للأمة ما بقي من قوتها ومستقبل أبنائها.


