وقف إطلاق النار في غزة “نكتة دامية”.. ذا ناشيونال إنترست: تدمير إسرائيلي شامل للمدن.. وإبادة جماعية في القطاع المحاصر.. وواشنطن غلبت المصالح على حياة البشر
في غزة، يبدو الأمر وكأن عقارب الساعة لم تراوح مكانها على الرغم من مرور أكثر من عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع المحاصر حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، وسط تصاعد الهجمات العسكرية التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي طالت حتى خيام النازحين، ونقص الإمدادات المعيشية والإغاثية والطبية، في مشهد جعل من اتفاق وقف إطلاق النار مجرد “نكتة قاسية”، بحسب مقال نشرته مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكية المتخصصة في الشؤون السياسية.
المقال كتبه كبير المحررين في منظمة “داون” الأمريكية غير الربحية والمتخصص في الشؤون السياسية لمنطقة المشرق العربي ألكسندر لانجلوا، مؤكدا أن “خطة السلام المزعومة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمكونة من 20 نقطة، لم تقدم أي تقدم يذكر نحو وقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة”.
ويقول لانجلوا: بدلا من وقف الإبادة، ترسخ واقع خطير؛ حيث يمثل الاحتلال الإسرائيلي لمعظم أجزاء قطاع غزة، وتشديد الحصار عليه -بالتزامن مع هجوم أوسع على المنظومة القانونية الدولية- تهديدا مباشرا للوجود الفلسطيني، في ظل مساع إسرائيلية تهدف في نهاية المطاف إلى التهجير القسري لسكان غزة وضم القطاع.
وقف إطلاق النار المزعوم في غزة
وفي المقابل، تقدم الحكومة الأمريكية -بحسب المقال- صورة مغايرة؛ حيث وصفت في بيانها بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار المزعوم ما جرى بأنه “تقدم” و”اختراق تاريخي” حقق نتائج “لافتة”. وتتماشى هذه اللغة إلى حد كبير مع تصريحات شخصيات بارزة داخل إدارة ترامب -أو مقربة منها- وفي “مجلس السلام” التابع لها، وهو الهيئة التي أنشئت لإدارة عملية إعادة إعمار غزة في مرحلة ما بعد الحرب. فبالنسبة لمسؤولين مثل جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد كبار المفاوضين في ملف غزة، فإن أي تقدم -مهما كان ضئيلا- يستحق الإشادة، خوصا وأنه أسهم، من بين أمور أخرى، في تراجع حدة العنف، على حد وصفه.
إسرائيلية لتهجير سكان غزة قسريا">ويقول لانجلوا: إن هذه العقلية تحديدا هي التي تشكل أكبر تهديد للفلسطينيين في غزة اليوم. فبدلا من إنهاء العنف، قتلت إسرائيل 1505 فلسطينيين وأصابت 5332 آخرين منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، لتضيفهم إلى حصيلة الضحايا التي بلغت نحو 250 ألفا منذ 7 أكتوبر 2023. وتواصل إسرائيل قصف أهداف في أنحاء القطاع، كما نفذت عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين في حركة حماس، في انتهاك مباشر لشروط وقف إطلاق النار.
تدمير شامل للمدن
يضيف كبير المحررين في منظمة “داون” في مقاله: تواصل إسرائيل تدمير أجزاء من قطاع غزة التي تحتلها مباشرة، حيث محت مدنا رئيسية مثل مدينة رفح في جنوب القطاع من على الخريطة، في عملية “تدمير شامل للمدن”، وقتلت عددا لا يحصى من المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب، وتزال المساعدات التي تسمح غسرائيل بدخولها إلى القطاع ضئيلة للغاية؛ إذ لم تؤد سوى إلى تحسين طفيف في مؤشرات الأمن الغذائي -من مستوى “المجاعة” إلى مستوى “الأزمة” أو ما هو أسوأ- بالنسبة لـ 1.2 مليون فلسطيني، وذلك وفقا لـ”التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي”، وهي آلية تعمل بالشراكة مع الأمم المتحدة لقياس مستويات الأمن الغذائي حول العالم.

وتشكل القيود التي تفرضها إسرائيل باستمرار على المعابر الحدودية لقطاع غزة ركيزة أساسية للحصار الذي تفرضه، وتدعم مساعيها الرامية –بحسب المقال- إلى جعل الحياة مستحيلة للفلسطينيين، سواء بشكل كلي أو جزئي. وتعمل إسرائيل بانتظام على منع دخول السلع الأساسية إلى غزة، بما في ذلك الوقود، والإمدادات الطبية، والأجهزة المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومواد البناء. كما تواصل إسرائيل رفض السماح بإجلاء أعداد كبيرة من المرضى والمصابين الفلسطينيين لتلقي العلاج في الخارج، في وقت لا يزال فيه أكثر من 21 ألف شخص مدرجين على قوائم الانتظار، بينما توفي أكثر من ألفين آخرين أثناء انتظارهم للإجلاء.
ويقول لانجلوا: دأبت الأمم المتحدة، إلى جانب كبرى المنظمات الإنسانية والحقوقية، على إدانة سياسات إسرائيل في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023؛ وهي سياسات تصفها مؤسسات مرموقة وخبراء بارزون في دراسات الإبادة الجماعية حول العالم بأنها “إبادة جماعية”. وفي يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية -في قضية رفعتها جنوب أفريقيا- حكما أوليا خلصت فيه إلى أن الفلسطينيين يواجهون خطرا حقيقيا بوقوع ضرر لا يمكن إصلاحه، وأن ممارسات إسرائيل في القطاع قد تنتهك حقوق الفلسطينيين وحمايتهم من الإبادة الجماعية. وقد ألزم ذلك الحكم إسرائيل بوقف عملياتها وأي إجراءات قد ترقى -بشكل معقول- إلى جريمة الإبادة الجماعية، من خلال إنهاء حياة الفلسطينيين في غزة، كليا أو جزئيا.
تغليب المصالح السياسية على حياة البشر
ومع مرور ثلاث سنوات على بدء الإبادة الجماعية، وعام على “وقف إطلاق نار” لا وجود له إلا بالاسم، يتردد صدى ذلك الحكم كتحذير لم يلق آذانا صاغية، سواء من قبل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أو إدارة دونالد ترامب الحالية، وفق لانجلوا.
ويتابع: إن التواطؤ القادم من واشنطن -وبدرجة كبيرة من عواصم أوروبية أيضا- في دعم وتسهيل الجرائم الإسرائيلية، يترك وصمة عار شنيعة ومرفوضة على جبين ما يسمى بـ “الديمقراطية الليبرالية”، التي تدعي احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية الأساسية.فقد عملت الولايات المتحدة -في ظل كلتا الإدارتين الرئاسيتين، وبدعم من حكومات أوروبية عديدة- على تسهيل الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، ودون أي شعور بالخجل. فقد باعت واشنطن لإسرائيل أسلحة بمليارات الدولارات (منها صفقة بـ992.4 مليون دولار لبيع منظومة أدفانسد بريسيجن كيل ويبون سيستمز لاعتراض الطائرات المسيرة لصالح إسرائيل)، استخدمت في قتل نساء وأطفال ومسنين فلسطينيين. ويبدو أن مساعيها تهدف في جوهرها إلى مساعدة إسرائيل في تنفيذ تطهير عرقي في غزة عبر الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، تحت ذريعة “التنمية” و”أمن إسرائيل”.. واختارت هذه الحكومات -وما يطلق عليهم “القادة” المصالح السياسية على حساب حياة البشر.

دوليا، تعمدت الولايات المتحدة –بحسب المقال- تكثيف هجومها على المنظومة القانونية الدولية، وهو ما عكسته العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في 9 أكتوبر على المحكمة الجنائية الدولية -على خلفية إصدارها مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب الضغوط التي مارستها على الدول الأعضاء “لتفكيك” المحكمة.
ويضيف: هذا الواقع، مقترنا بممارسات إسرائيل المستمرة، يفسر لماذا من المرجح أن يظل الوضع الراهن في غزة على حاله. فالعالم اليوم لا يضع حقوق الإنسان فوق موازين القوى المجردة، ولا يخدم في الأساس سوى الدول الأكثر ثراء ونفوذا. ومع هذا الاندثار، يغيب القانون الدولي، وتتلاشى فكرة أن جميع البشر والأمم متساوون، ويستحقون الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
نقطة ضوء تحت الأنقاض
لكن الكاتب يرى –في الوقت ذاته- أنه ما زال هناك أمل في إمكانية نشوء عالم أفضل من بين أنقاض السنوات القليلة الماضية؛ حيث يتزايد في مختلف أنحاء العالم رفض التوجهات الاستبدادية والإجرامية لتلك الدول القليلة التي مكنت وقوع هذه الجرائم. كما يتسع نطاق الدعم لفلسطين، وتتعزز القناعة بضرورة الاعتراف بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة ورفضها؛ وهو ما يشير إلى تحول في المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية. ومع هذا التحول، ينمو الأمل في أن تفتح العمليات الانتخابية مسارا نحو تغيير إيجابي، يطالب بالعدالة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قتلوا باسم سياساتٍ بغيضة، لا ينبغي رفضها فحسب، بل تذكرها أيضا.
ويخلص لانجلوا في مقاله قائلا: قد لا يأتي هذا التغيير في الوقت المناسب لإنقاذ من فقدوا حياتهم، لكنه لا يزال قادرا على صون مستقبل الفلسطينيين في غزة وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ أولئك الذين يستحقون السلام والعدالة وحق تقرير المصير. أما في الوقت الراهن، فسيظل الوضع في غزة على حاله، مما يفرض على منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية مواصلة جهودها للمطالبة بإنهاء الإبادة الجماعية، والضغط بجدية على إسرائيل -وخصوصا من جانب واشنطن- لضمان تحقيق هذه الغاية.


