طرق بناء الثقة بين الأم وابنتها في مرحلة المراهقة.
طرق بناء الثقة بين الأم وابنتها، تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية حساسية في حياة الفتاة، إذ تبدأ خلالها في اكتشاف شخصيتها وتكوين آرائها الخاصة، وتسعى إلى الاستقلال واتخاذ القرارات بنفسها، بالتزامن مع احتياجها إلى الحب والاحتواء والشعور بالأمان.
أوضحت الدكتورة عبلة إبراهيم أستاذ التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أنه قد تجد الأم نفسها أمام تغيرات مفاجئة في سلوك ابنتها، مثل الميل إلى الخصوصية، أو قلة الحديث عن تفاصيل يومها، أو الاعتراض على بعض القواعد الأسرية.
أضافت الدكتورة عبلة، أنه في هذه المرحلة، لا يكفي أن تحب الأم ابنتها وتحرص على مصلحتها، بل تحتاج أيضًا إلى بناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة، حتى تشعر الفتاة بأنها تستطيع اللجوء إلى والدتها عند مواجهة مشكلة، دون خوف من السخرية أو التوبيخ أو إصدار الأحكام.
طرق تساعد الأم على تعزيز الثقة مع ابنتها
وأشارت الدكتورة عبلة، إلى أن هناك مجموعة من الطرق التي تساعد الأم على تعزيز هذه الثقة والحفاظ على علاقة قوية بابنتها خلال سنوات المراهقة، والتي تستعرضها في السطور التالية.

الاستماع إلى الابنة دون إصدار الأحكام.
يُعد الاستماع الجيد من أهم الخطوات لبناء الثقة بين الأم وابنتها، خاصة عندما تتحدث الفتاة عن مشاعرها أو مشكلاتها مع صديقاتها أو المواقف التي تتعرض لها في المدرسة.
فقد لا تحتاج الابنة في كل مرة إلى نصيحة مباشرة أو حل سريع، وإنما تريد أن تشعر بأن أمها تفهمها وتأخذ مشاعرها على محمل الجد. لذلك، يُفضل أن تمنحها الأم فرصة للتعبير عن نفسها حتى النهاية، دون مقاطعة أو التقليل من أهمية ما تحكيه.
وعندما تختلف الأم مع ابنتها في الرأي، يمكنها توضيح وجهة نظرها بهدوء، بدلًا من وصف أفكارها بالسذاجة أو المبالغة. فاحترام مشاعر الفتاة لا يعني الموافقة على جميع تصرفاتها، لكنه يساعدها على الشعور بالأمان أثناء الحوار.
احترام خصوصية الفتاة المراهقة.
تبدأ الفتاة في مرحلة المراهقة في تكوين عالمها الخاص، وقد ترغب في الاحتفاظ ببعض التفاصيل لنفسها أو قضاء وقت منفرد في غرفتها أو التواصل مع صديقاتها بعيدًا عن تدخل الأسرة المستمر.
ومن المهم أن تدرك الأم أن رغبة ابنتها في الخصوصية لا تعني بالضرورة أنها تخفي أمرًا خطيرًا أو تبتعد عنها عاطفيًا. ويمكن تعزيز الثقة من خلال احترام المساحة الشخصية للفتاة، والاستئذان قبل الاطلاع على مقتنياتها الخاصة، وعدم تفتيش أغراضها أو قراءة رسائلها بصورة روتينية دون سبب جدي يتعلق بسلامتها.
وفي المقابل، ينبغي توضيح أن الخصوصية لا تعني غياب المسؤولية، وأن هناك قواعد أسرية متفقًا عليها لحماية الفتاة، خاصة فيما يتعلق بالتواصل عبر الإنترنت والتعامل مع الغرباء.
تجنب تحويل الاعترافات إلى وسيلة للعقاب.
من أكثر الأمور التي تدفع الفتاة إلى إخفاء مشكلاتها عن أمها أن تجد ما تحكيه في لحظة ضعف أو صراحة يُستخدم ضدها في خلاف لاحق.
فعندما تعترف الابنة بخطأ ارتكبته، تحتاج الأم إلى التعامل مع الموقف بحكمة، والاستماع إلى تفاصيله قبل تحديد العواقب المناسبة. وإذا أخطأت الفتاة، يمكن مناقشة ما حدث، ومساعدتها على فهم النتائج، والاتفاق على طريقة لإصلاح الخطأ بدلًا من الاكتفاء بالتوبيخ أو التهديد.
ولا يعني ذلك أن تتجاهل الأم السلوك الخاطئ، بل أن تفصل بين رفض التصرف والحفاظ على كرامة ابنتها. فعندما تشعر الفتاة أن الاعتراف بالمشكلة لن يؤدي تلقائيًا إلى الإهانة أو العقاب المبالغ فيه، تصبح أكثر استعدادًا لطلب المساعدة مبكرًا.
قضاء وقت مشترك بعيدًا عن الأوامر والنصائح.
تحتاج العلاقة بين الأم وابنتها إلى لحظات ممتعة لا ترتبط بالدراسة أو الواجبات المنزلية أو تصحيح السلوك. ويمكن تخصيص وقت أسبوعي للقيام بنشاط تحبه الفتاة، مثل إعداد وصفة جديدة، أو المشي معًا، أو مشاهدة فيلم، أو التسوق، أو تناول مشروب مفضل والتحدث بحرية.
وخلال هذه اللحظات، يُفضل ألا تحول الأم كل حوار إلى درس تربوي أو سلسلة من الأسئلة عن الدراسة والصديقات والمستقبل. فالحديث العفوي ومشاركة الضحك والاهتمامات يساعدان على بناء علاقة إنسانية دافئة، تشعر فيها الابنة بأن أمها ليست مجرد شخص يراقبها ويوجهها، وإنما رفيقة يمكنها الاستمتاع بصحبتها والحديث معها.
احترام آراء الابنة وإشراكها في القرارات.
تحتاج الفتاة المراهقة إلى الشعور بأن رأيها له قيمة، وأنها قادرة على المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتها. ويمكن للأم أن تبدأ بإشراكها في اختيار ملابسها المناسبة، وتنظيم وقتها، وتحديد بعض الأنشطة، ووضع قواعد استخدام الهاتف والعودة إلى المنزل.
وعندما تختلفان حول قرار معين، من الأفضل مناقشة الأسباب والاستماع إلى وجهة نظر الفتاة، ثم توضيح الحدود التي لا يمكن تجاوزها لأسباب تتعلق بسلامتها أو مسؤولياتها.
ويساعد هذا الأسلوب على تنمية قدرتها على اتخاذ القرارات وتحمل نتائجها، بدلًا من الاعتماد على الأوامر المطلقة التي قد تدفعها إلى العناد أو تنفيذ رغباتها سرًا.

الاعتذار عند الخطأ والاعتراف بالمشاعر.
لا تفقد الأم مكانتها عندما تعتذر لابنتها عن كلمة قاسية أو تصرف متسرع، بل تقدم لها نموذجًا عمليًا لاحترام الآخرين وتحمل المسؤولية.
فإذا انفعلت الأم خلال خلاف، يمكنها العودة إلى ابنتها بعد الهدوء والاعتذار عن أسلوبها، مع الاحتفاظ بحقها في مناقشة السلوك الذي أثار المشكلة. كما ينبغي أن تسمح لابنتها بالتعبير عن الحزن أو الغضب أو الإحباط دون اتهامها بقلة الأدب لمجرد اختلاف مشاعرها.
ويساعد هذا التبادل على تعليم الفتاة أن الخلاف لا يعني انتهاء الحب، وأن العلاقات الصحية يمكنها تجاوز الأخطاء من خلال الحوار والاعتذار والإصلاح.
تقديم الدعم دون المقارنة بالآخرين.
قد تتأثر الفتاة المراهقة بمظهرها أو درجاتها الدراسية أو علاقاتها الاجتماعية، وتصبح أكثر حساسية تجاه النقد والمقارنات. لذلك، ينبغي أن تتجنب الأم مقارنتها بأخواتها أو صديقاتها أو بنات الأقارب، سواء في التحصيل الدراسي أو الشكل أو السلوك.
والأفضل هو تشجيع الابنة على ملاحظة تطورها الشخصي، والاحتفاء بجهدها ومحاولاتها، ومساعدتها على التعامل مع إخفاقاتها باعتبارها فرصًا للتعلم، لا دليلًا على الفشل.
كما ينبغي أن تحرص الأم على تقديم الدعم عند تعرض ابنتها للتنمر أو الخذلان من صديقة أو ضغط نفسي، وأن تستمع إليها قبل اتخاذ أي إجراء، مع التدخل لحمايتها عند الضرورة.
الثبات في التعامل والوفاء بالوعود.
تُبنى الثقة تدريجيًا من خلال المواقف اليومية، وليس بالكلمات وحدها. فعندما تلتزم الأم بوعودها، وتشرح أسباب تغيير قراراتها، وتحافظ على القواعد المتفق عليها بصورة عادلة، تشعر ابنتها بأن التعامل معها واضح ويمكن توقعه.
ومن المهم أيضًا ألا تتبدل استجابة الأم للموقف نفسه بصورة حادة وفقًا لمزاجها، وأن تفرق بين وضع الحدود الضرورية ومحاولة التحكم في كل تفاصيل حياة ابنتها.


