
محمود الغول.
خد بالك من عيالك.
هناك سؤال يجب أن نطرحه بصوت عال، بعيدا عن انبهارنا بالتكنولوجيا، وعن تكرار الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره مستقبل العالم، وعن ضرورة أن يتعلم أبناؤنا التعامل مع أدوات العصر.. ماذا يحدث عندما يلجأ طفل إلى الذكاء الاصطناعي، ليسأله لا عن واجب مدرسي أو معلومة علمية، بل لأنه لا يجد من يسمعه أو يفهم ما يمر به، ثم تتحول المحادثة التي بحث فيها عن الأمان إلى جزء من مأساة تنتهي بفقدانه؟
نحن لا نتحدث عن فيلم خيال علمي، ولا عن قصة افتراضية يحذر بها كاتب من المستقبل. نحن أمام قضايا حقيقية وصلت إلى المحاكم، وأسر فقدت أبناءها، واتهامات خطيرة تتعلق بدور روبوتات المحادثة في حياة مراهقين كانوا يمرون بأزمات نفسية.
في أكتوبر 2024، تصدرت قصة المراهق الأمريكي سيويل سيتزر، البالغ من العمر 14 عاما، عناوين الأخبار، بعدما رفعت والدته دعوى قضائية ضد شركة Character.AI وجوجل، متهمة إياهما بأن تفاعل ابنها مع روبوت محادثة يجسد شخصية خيالية ساهم في تدهور حالته النفسية، قبل أن يتوفى منتحرا في فبراير من العام نفسه. وفي يناير 2026، أعلن التوصل إلى تسوية للقضية، من دون الكشف عن تفاصيلها المالية.
القصة ليست حكاية طفل أمضى وقتا طويلا أمام الشاشة، لكنها فتحت الباب أمام سؤال مهم وهو ماذا يحدث عندما يبدأ الطفل في التعامل مع شخصية رقمية باعتبارها صديقا حقيقيا؟
قد يعرف الطفل أن الطرف الآخر مجرد برنامج، لكنه مع كثرة المحادثات قد يشعر بأنه أمام شخص يفهمه، ويستمع إليه، ولا يمل من كلامه. ويصبح هذا الشعور أكثر خطورة عندما يكون الطفل وحيدا، أو يواجه مشكلات لا يستطيع الحديث عنها مع أسرته أو أصدقائه.
وفي أبريل 2025، توفي المراهق الأمريكي آدم راين عن عمر يناهز 16 عاما، ثم رفعت أسرته دعوى قضائية ضد شركة OpenAI ورئيسها التنفيذي سام ألتمان، متهمة ChatGPT بتقديم استجابات خطيرة خلال محادثات امتدت لأشهر، بينما كان المراهق يعاني أفكارا انتحارية. وقالت الأسرة إن بعض هذه المحادثات ساهمت في تعميق أفكاره المؤذية، بدلا من مساعدته على الوصول إلى دعم بشري مناسب.
هل تملك أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرة الكافية على التعامل مع طفل يمر بأزمة نفسية، ويحتاج إلى مساعدة حقيقية؟ وفي بريطانيا، عاد هذا الملف إلى الواجهة في مارس 2026، خلال التحقيق في وفاة المراهق لوكا سيلا ووكر، البالغ من العمر 16 عاما، والذي توفي في مايو 2025. ووفقا لما نقل عن جلسات التحقيق، كان قد استخدم ChatGPT قبل وفاته وطرح أسئلة تتعلق بالانتحار. وأعادت القضية النقاش حول كيفية تعامل برامج الذكاء الاصطناعي مع المستخدمين الذين تظهر عليهم علامات الخطر.
هنا تكمن المشكلة الحقيقية.. الذكاء الاصطناعي ليس إنسانا، مهما أتقن كلمات المواساة، ومهما بدا قادرا على فهم المشاعر. إنه برنامج قد يقدم إجابات مفيدة في موقف، ويخطئ في تقدير موقف آخر. والخطر يظهر عندما يحتاج المستخدم إلى تدخل إنساني عاجل، بينما يستمر في التعامل مع البرنامج باعتباره الشخص الوحيد الذي يفهمه.
لكن هل نلقي باللوم على التكنولوجيا وحدها؟ بالتأكيد لا. قد يكون الطفل الذي يبحث عن صديق خلف الشاشة بحاجة إلى أب يستمع إليه، أو أم تلاحظ تغير سلوكه، أو معلم ينتبه إلى ابتعاده عن زملائه، أو اختصاصي نفسي يستطيع مساعدته. وهذا لا يعني اتهام الأسر بالتقصير، فالأزمات النفسية قد تكون خفية، وقد لا يعرف أقرب الناس إلى الطفل حجم ما يعانيه.
المطلوب ليس منع التكنولوجيا أو إعلان الحرب على الذكاء الاصطناعي، بل وضع ضوابط تحمي الأطفال، وتلزم الشركات بالتعامل بجدية مع مؤشرات الانتحار وإيذاء النفس، وتوجيه المستخدمين المعرضين للخطر إلى المساعدة البشرية المناسبة.
والمطلوب أيضا أن نتعلم كيف نفتح أبواب الحوار مع أبنائنا، وأن نمنحهم مساحة للكلام من دون سخرية أو تخويف أو أحكام مسبقة، حتى لا يشعروا بأن الآلة هي المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه التعبير عن ألمهم. نحن أمام تكنولوجيا يمكن أن تساعد أبناءنا على التعلم والإبداع واكتشاف العالم، لكن هذا لا يعفي الشركات من مسؤوليتها، ولا يعفينا نحن من مسؤولية الرعاية والانتباه.
أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يجد الطفل صديقا افتراضيا، بل أن يطلب المساعدة في لحظة يأس، فيجد كلمات تبدو حنونة، من دون أن يصل صوته إلى إنسان يستطيع التدخل وإنقاذه.
والآن نريد أن نعرف كيف نمنع أن تتحول ثقة أطفالنا بهذه التكنولوجيا إلى خطر لا يدركون عواقبه، فالتقدم الحقيقي ليس أن نصنع آلة تتحدث مثل الإنسان، بل أن نضمن ألا يصبح الإنسان، وخصوصا الطفل، وحيدا في مواجهة ألمه، مهما تطورت الآلات من حوله.


