في ستينيات القرن الماضي، جمع أحد قادة دولة آسيوية فريقه الاقتصادي، وسألهم عن أول مشروع ينبغي أن تبدأ به بلادهم. توقعوا أن يكون ميناءً أو مصنعًا أو طريقًا سريعًا، لكنه فاجأهم بقوله: «أريد أن يشرب كل طفل في هذا البلد ماءً نقيًا». لم يكن اختياره مجرد مشروع خدمي، بل تعبيرًا عن فلسفة تنموية تبدأ بالإنسان، وتدرك أن بناء الحضارة لا ينفصل عن تلبية الاحتياجات الأساسية وصناعة المستقبل.
تستحق هذه التجربة أن نتأملها ونحن نتساءل عن سر صعود الأمم وتراجعها، وعن قدرة مصر على استعادة مكانتها في عالم لم تعد تقاس فيه القوة بما تمتلكه الدول من موارد فحسب، بل بما تنتجه من معرفة، وما تملكه من عقول قادرة على الابتكار والمنافسة.
كيف أصبحت الحضارة العربية الإسلامية، في عصور ازدهارها، منارة للعلم والفلسفة والطب والرياضيات؟ لقد ازدهرت حين احتفت بالعلم، وانفتحت على معارف الأمم، فترجمتها وطورتها، ولم تكتف بنقلها. وفي بغداد والأندلس، أسهم العلماء في إثراء المعرفة الإنسانية، وانتقلت مؤلفاتهم وإسهاماتهم إلى أوروبا، لتصبح جزءًا من مسارها العلمي والفكري.
ولم تنهض أوروبا بقرار مفاجئ أو بمعجزة، بل عبر تحولات متراكمة شملت تطور الجامعات، وانتشار الطباعة، وإحياء المعارف القديمة، وترسيخ البحث والتجربة، حتى انتقلت إلى الثورة العلمية والصناعية. والدرس هنا أن النهضة لا تُستورد جاهزة، ولا تُبنى على أمجاد الماضي، وإنما تتشكل حين تتحول المعرفة إلى قوة منتجة، وتصبح المؤسسات قادرة على رعاية العقول وتوظيف قدراتها.
فأين تقف مصر من هذه المعادلة؟ وهل يكفي أن نفخر بتاريخنا العريق ومؤسساتنا التعليمية وجامعاتنا، أم أن استعادة الدور الحضاري تتطلب مراجعة جادة لما نحتاج إليه كي ننتقل من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها؟
إن البداية الحقيقية تكون من المدرسة، حيث يتعلم الطفل التفكير والسؤال بدلًا من الاكتفاء بالحفظ، ومن الجامعة التي ينبغي أن تكون مركزًا للبحث والابتكار، لا مجرد طريق للحصول على الشهادات. وتمتد إلى ربط البحث العلمي بالصناعة والزراعة والصحة والطاقة، بحيث تتحول الأفكار إلى منتجات، والاكتشافات إلى حلول، والكفاءات إلى قوة تدفع الاقتصاد إلى الأمام.
وهل يمكن أن تتحقق هذه النهضة من دون رعاية المعلم والباحث، وتكافؤ الفرص، واحترام الجدارة، وتهيئة بيئة تسمح للشباب بالإبداع؟ وكيف نستعيد العقول المهاجرة، ونجعل مصر وجهة للعلماء والطلاب من العالمين العربي والأفريقي، ومركزًا للترجمة والنشر والابتكار؟ إنها أسئلة تتجاوز حدود التعليم إلى طبيعة الأولويات الوطنية، ومدى قدرتنا على تحويل الموارد إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
إن التجربة الآسيوية تذكرنا بأن التنمية تبدأ من احتياجات الإنسان، وتجربة الحضارة العربية الإسلامية تؤكد أن الانفتاح على المعرفة يصنع الازدهار، بينما تكشف النهضة الأوروبية أن البحث والمؤسسات والابتكار قادرة على تغيير مسار الأمم. وهذه ليست نماذج ينبغي استنساخها، بل دروس تستحق أن نستخلص منها ما يلائم واقع مصر وتحدياتها.
فهل نكتفي باستدعاء أمجاد الحضارة، أم نمتلك الإرادة لبناء نهضة مصرية معاصرة؟ وهل نظل نفخر بلقب أم الدنيا، أم نجعل مصر مركزًا للعلم والإبداع، ومصدرًا للحلول في قضايا الماء والغذاء والطاقة والطب والتكنولوجيا؟
إن مصر لا تحتاج إلى إثبات عظمة ماضيها بقدر ما تحتاج إلى صناعة مستقبل يليق به. وكما بدأت التجربة الآسيوية من حق الطفل في الماء النقي، ينبغي أن تبدأ نهضتنا من حقه في تعليم جيد، ومن حق الباحث في بيئة تتيح له الإبداع، ومن حق المجتمع في أن تتحول المعرفة إلى حياة أفضل.
فالأمم لا تستعيد مكانتها بالشعارات، ولا بالتغني بما أنجزه الأسلاف، وإنما حين تجعل الإنسان غايتها، والعلم أولويتها، والمعرفة مشروعها الوطني الممتد عبر الأجيال.


