تحولت المدن الجديدة من حلم للطبقة الوسطى إلى سوق عقارية بعيدة عن القدرة الشرائية، بينما تتراجع الخدمات والصيانة وتتصاعد أزمة السكن والإيجار القديم.
مدن جديدة بتخطيط جيد وأزمة إدارة متفاقمة
وأنا أطوف بمدينة الشروق التي أسكنها منذ عام 2016 استعدت تجربة الدكتور محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق الذي أسهم في إنشاء مدن جديدة بتخطيط عمراني متقدم اتسعت فيه الشوارع والميادين والمساحات الخضراء.
لكن ما قيمة التخطيط العبقري إذا أُهملت الحدائق وجفت الأشجار وتراجعت أعمال النظافة والصيانة وتحولت بعض الأرصفة السليمة إلى مشروعات إحلال وتجديد بلا ضرورة واضحة.
العقار خرج من وظيفته الأساسية
أزمة المدن الجديدة لم تعد مرتبطة بالخدمات وحدها بل امتدت إلى تحولات أعمق في سوق العقارات فقد كانت الطبقة الوسطى تستطيع في مراحل سابقة شراء قطعة أرض وبناء مسكن بالتقسيط أو امتلاك شقة في مدينة جديدة أما اليوم فقد قفزت أسعار الأراضي والوحدات إلى مستويات أخرجت قطاعات واسعة من المواطنين والشباب من دائرة التملك وهو ما دفع الحكومة لطرح وحدات بالإيجار بينما أصبح العقار لدى كثيرين مخزنًا للثروة ومجالًا للمضاربة لا مجرد مسكن يلبي حاجة إنسانية أساسية.
- ارتفاع أسعار الأراضي والوحدات أخرج فئات واسعة من دائرة التملك
- الحكومة اتجهت إلى طرح وحدات بالإيجار
- العقار بات عند كثيرين أداة ادخار ومضاربة أكثر من كونه سكنًا
أزمة الإيجار القديم تحتاج معالجة متوازنة
تزداد الصورة تعقيدًا مع أزمة الإيجار القديم التي تتداخل فيها حقوق الملاك ومخاوف المستأجرين من فقدان مساكنهم في معادلة لا تحتمل حلولًا متعجلة أو انحيازًا لطرف على حساب آخر المطلوب معالجة تحفظ الحقوق وتراعي البعد الاجتماعي وتتيح انتقالًا تدريجيًا وعادلًا نحو علاقة إيجارية أكثر استدامة.
حلول مطلوبة قبل أن تفقد المدن الجديدة معناها
استعادة التوازن تبدأ بزيادة المعروض من الوحدات المناسبة لمحدودي ومتوسطي الدخل وتوفير أراضٍ بتكلفة ميسرة وتوسيع التمويل العقاري الحقيقي وربط الدعم بالدخل والحاجة لا بالمضاربة كما تستلزم ضبط سوق إعادة البيع وتعزيز الشفافية في تخصيص الأراضي ومحاسبة المسؤولين عن إهدار الموارد وإلزام شركات التشغيل والصيانة بمعايير أداء واضحة.
- زيادة الوحدات المناسبة لمحدودي ومتوسطي الدخل
- توفير أراضٍ بتكلفة ميسرة
- توسيع التمويل العقاري الحقيقي
- ربط الدعم بالدخل والحاجة
- ضبط سوق إعادة البيع والشفافية في تخصيص الأراضي
أما المدن الجديدة فلا ينبغي أن تتحول إلى جزر عقارية للأثرياء بل مجتمعات متكاملة تتوافر فيها الخدمات والنقل وفرص العمل والمساحات الخضراء فالسؤال ليس كم مدينة نبني بل لمن نبنيها وكيف نعيد للسكن وظيفته الاجتماعية وللطبقة الوسطى قدرتها على امتلاك بيت وللشباب أملًا في بداية مستقرة فالعمران الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الأبراج وأسعار المتر وإنما بقدرته على توفير حياة كريمة للمواطنين.


