تحتفي الأوساط الفنية والجمهور العربي اليوم، 21 يونيو 2026، بذكرى مرور أربعين عامًا على رحيل الموسيقار والمسرحي اللبناني عاصي الرحباني، الذي توفي عن عمر يناهز 63 عامًا، حيث يتزامن رحيله مع اليوم العالمي للموسيقى وأول أيام الصيف وعيد الأب.
المولد والنشأة
وُلد عاصي حنا الياس الرحباني في 4 مايو 1923 في قرية أنطلياس اللبنانية، لأب هو حنا الياس الرحباني وأم تدعى سعدى صعب، نشأ في بيئة ريفية غنية بالمؤثرات الطبيعية والثقافية التي شكلت إبداعه، حيث قضى طفولته بين البساتين والمزارعين، وتلقى في كنيسة القرية أولى دروسه الموسيقية على يد الأب بولس الأنطوني، الذي علّمه مبادئ النظريات الموسيقية والألحان الشرقية والكنسية لمدة ست سنوات، ثم تابع تعلم التأليف الموسيقي الغربي على يد الأستاذ برتران روبيار.
البداية الفنية
بدأ عاصي مسيرته عازفًا على آلة الكمان، ثم انتقل إلى البيانو والبزق، وعمل في البلدية نهارًا وعازفًا ليليًا، ثم التحق بالإذاعة اللبنانية في نهاية الأربعينيات كعازف وملحن، وفي عام 1953، قدم شقيقه منصور استقالته من الشرطة القضائية ليلتحق به، لتنطلق مسيرة “الأخوين رحباني” التي غيرت وجه الأغنية والمسرح العربي.
لقاء فيروز
التقى عاصي بفيروز (نهاد حداد) لأول مرة في كواليس الإذاعة اللبنانية عام 1950، وتكلل هذا اللقاء الفني بزواج في 23 يناير 1955، ورزقا بأربعة أبناء: زياد وهلي وليال وريما، قضيا شهر العسل في القاهرة حيث سجلا أعمالًا مهمة في إذاعة “صوت العرب”، قبل أن يتحولا إلى ثنائي فني خلد اسمه في تاريخ الموسيقى العربية
المسرح والإذاعة
شكل المسرح أبرز محطات عطاء عاصي الرحباني، حيث قدم من خلال مهرجانات بعلبك الدولية ومعرض دمشق الدولي سلسلة من الأعمال المسرحية الغنائية التي تعد علامات فارقة في الفن العربي، من أبرزها: “موسم العز” (1960)، “البعلبكية” (1961)، “بياع الخواتم” (1964)، “أيام فخر الدين” (1966)، “هالة والملك” (1967)، “الشخص” (1968)، “ناس من ورق” (1971)، “ناطورة المفاتيح” (1972)، “المحطة” (1973)، “لولو” (1974)، “ميس الريم” (1975)، و”بترا” (1977)، وامتدت عروض فرقته التي أسسها عام 1960 لتشمل جولات عالمية في أميركا الجنوبية والشمالية وأوروبا والعالم العربي
السينما والتلفزيون
كتب عاصي سيناريو وحوار وموسيقى ثلاثة أفلام سينمائية من بطولة فيروز: “بياع الخواتم” (1965) من إخراج يوسف شاهين، و”سفربرلك” (1967) و”بنت الحارس” (1968) من إخراج هنري بركات، حيث مثل في الأخيرين دورًا رئيسيًا، كما قدم للشاشة الصغيرة أعمالًا تلفزيونية عدة، منها مسرحية “حكاية الإسوارة” ومسلسل “قسمة ونصيب” ومسلسل “من يوم ليوم”
المرض والمفاجأة
في 26 سبتمبر 1972، أصيب عاصي بنزيف حاد في الجهة اليسرى من دماغه، وخضع لعملية جراحية دقيقة أجراها البروفسور لوغرو من فرنسا، الذي وصفها بأنها الأدق والأخطر على الإطلاق، وخلال أقل من ثلاثة أشهر، عاد عاصي إلى التأليف والتلحين، ليقدم أول لحن بعد الأزمة الصحية وهو “ليالي الشمال الحزينة” في مسرحية “المحطة” عام 1973، متحديًا بذلك توقعات الأطباء.
الرحيل
في أوائل الثمانينيات، دخل عاصي المستشفى لمرات عدة، آخرها في عام 1986 حيث دخل في غيبوبة استمرت ستة أشهر، توفي في 21 يونيو 1986، ورقد في مثواه الأخير في لبنان الذي ظل مقيماً فيه طيلة سنوات الحرب الأهلية، متمسكًا بجذوره وبقريته أنطلياس، مجيبًا عن سبب بقائه: “كتبتُ عن التعلق بالأرض والتشبث بها كيف سأذهب”، ويُذكر أن عاصي الرحباني خلف إرثًا فنيًا هائلًا يضم أكثر من 1500 أغنية، ومئات الاسكتشات الإذاعية، وأكثر من 25 عملاً مسرحياً، إلى جانب أفلام سينمائية وبرامج تلفزيونية، غنى معظمها صوت فيروز، لتظل أعماله حية في الوجدان العربي حتى اليوم كشاهد على عصر ذهبي للفن والمسرح في المشرق العربي

