عندما تلقيت دعوة لحضور الدورة الثانية لمهرجان ظفار الدولي للمسرح، شعرت بفرح مختلط بالشوق والحنين، فقد أعادتني تلك الدعوة إلى الدورة الأولى من المهرجان، حين كانت زيارتي الأولى لصلالة، المدينة التي طبعَت في داخلي أثرًا خالدًا، وجعلتني أشتاق للعودة إليها مجددًا.
منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماي أرض ظفار، شعرت وكأني أمام عالم مختلف، عالم يملك سحرًا غريبًا يمنحك الطمأنينة بلا سؤال، ويفتح لك نافذة للسعادة دون مقدمات، كانت صلالة هادئة وكأنها تحتفظ بسرٍّ عميق، وفي هوائها شيء يدعوك إلى التمهل، وفي طبيعتها ما يجعلك تشعر أنك في المكان الذي تنتمي إليه.
لذا، لم تكن عودتي إلى ظفار مجرد دعوة لحضور مهرجان، بل كانت عودة إلى مكان أحببته دون أن أدرك حبي له، وإلى ذاكرة تحتفظ ببابها مفتوحًا لاستقبال الزوار.
منذ الخطوة الأولى، شعرت وكأنني أدخل مسرحًا كبيرًا مفتوحًا على الطبيعة، مسرح بلا سقف سوى السماء، ولا ديكور فيه سوى الجبال والخضرة والضباب، ولا موسيقى أجمل من صوت المطر الخفيف الذي ينساب على شوارع صلالة في هدوء.
في ظفار، كل شيء يبدو كأنه مشهد مسرحي مكتمل العناصر، الجبل يقف في الخلفية، والضباب ينسدل كستارة، والوجوه القادمة من بلدان مختلفة تتحرك كأنها شخصيات على خشبة واحدة، تجمعها الإيمان بأن المسرح يستطيع أن ينقل ما تعجز الكلمات عن قوله.
ومن هنا يمكننا فهم خصوصية مهرجان ظفار الدولي للمسرح، فالمهرجان لا يأتي ليُفرض حضوره على المكان، بل يبدو وكأنه ينصت لروح المكان أولًا، ثم يفتح له نافذة على العالم.
في دورته الثانية، التي أُقيمت بين 14 و22 سبتمبر، تجمعت ظفار على 15 عرضًا من تسع دول، في ثلاثة مسارات رئيسية تشمل عروض النخبة، والعروض الكبرى، ومسرح ظفار، بالإضافة إلى ورش العمل والفعاليات الثقافية والفنية المصاحبة.
لكن الأرقام لا تكفي لشرح ما حدث هنا، فالأهم هو الحوار الذي ينشأ بين المسرحيين، فنان من مصر يجلس بجوار فنان من عمان، ومخرج من بلد بعيد يناقش تجربة ممثل عربي، وناقد يتأمل عرضًا من ثقافة مختلفة، ليكتشف الجميع أن الاختلاف ليس حاجزًا، بل هو مساحة للحوار.
وهنا تظهر فكرة المهرجان بشكل أعمق من مجرد منافسة على الجوائز، فمساراته الثلاثة تفتح المجال أمام التجارب الدولية، وتمنح المسرح العماني والمحلي مكانًا للتواجد، وتخلق منطقة لتبادل الخبرات والمعارف، وقد أكد المنظمون أن دعم المسرح كوسيلة للتواصل بين الثقافات وإتاحة الفرصة للمواهب المحلية يمثلان جوهر توجه المهرجان.
بينما كنت أمشي بين فعاليات المهرجان، شعرت أن ظفار لا تستضيف المسرح فحسب، بل تعيد تعريف علاقتها به، هنا الفن لا ينفصل عن المكان، فالمسرح يبدأ على الخشبة ولكنه يمتد إلى الشارع، وإلى جلسات الفنانين، وإلى أحاديث الجمهور، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تبقى في الذاكرة.
ربما لهذا تبدو ظفار في أيام مهرجانها وكأنها تكتب عرضًا مسرحيًا آخر، لا يحتاج إلى مخرج أو نص، عرضًا عنوانه اللقاء، لقاء الإنسان بالإنسان، والفنان بالفنان، والثقافة بالثقافة، والمسرح بالمكان.
وحين انتهت العروض وأنطفأت الأضواء، بقي شيء من تلك الحكاية عالقًا في الهواء، في ضباب صلالة، وفي طرقاتها، وفي ذاكرة الذين جاءوا من أجل المسرح، ثم اكتشفوا أنهم أخذوا معهم شيئًا من ظفار، شيء سيظل في ذاكرتهم إلى الأبد، فسلامًا عليكِ يا ظفار إلى أن نلتقي.