الفيلم القصير "اللي ميتسماش" للمخرج أبانوب نبيل يعد واحداً من أبرز الأعمال السينمائية التي تثبت أن الأفلام القصيرة هي تجسيد حقيقي للمشاعر الإنسانية، فمنذ اللحظات الأولى، يشعر المشاهدون أنهم غارقون في تراجيديا مؤلمة، تترافق مع أجواء من التوتر والترقب، الفيلم لا يقدم فقط سرداً درامياً عن الطفولة المفقودة، بل يعكس معاناة بطلته الصغيرة وكأنها رمز لكل طفل يواجه عالمًا أكبر منه بكثير.
هذا الفيلم الذي نال جائزة أفضل مخرج في مهرجان ميدفيست، ينقل لنا صورة صامتة عن فقدان الطفولة، فهو لا يكتفي برصد المشكلة بل يجعلنا نشعر بعبء ثقيل تحمله تلك الطفلة، حيث أن أسوأ ما يمكن أن يواجهه الطفل ليس الخوف من المجهول، بل غياب الأمان وتركه وحيداً في مواجهة عالم قاسٍ يتجاوز قدرته على التحمل.
تعيش طفلة لم تتجاوز العاشرة مأساة مرض والدتها، ويُتوقع منها أن تتحمل أعباء تفوق عمرها، تحمل أغراض والدتها حتى خروجها من غرفة العمليات، ولكن الممرضة تعطيها برطمانًا يحتوي على العينة المستأصلة وتطلب منها الذهاب به إلى مركز التحاليل، الشنطة والبرطمان ليسا مجرد أغراض، بل تجسيد مادي للمسؤولية التي فرضت عليها بشكل قسري.
تدخل الطفلة في متاهة غير متوقعة أثناء رحلتها، فتجد نفسها في عالم مزدحم يختلف تمامًا عن عالمها البسيط، وبدون أي سند، تتوجه إلى سيدة غريبة تساعدها في إنهاء إجراءات استلام العينة، ثم تنطلق بمفردها إلى طريق غير معروف، حيث تكتشف مدينة كبيرة للألعاب، تنجذب إلى عالمها الطبيعي، لكن سرقة الشنطة وتكسر البرطمان يعصفان بمهمتها ويشعرانها بالعجز والذنب.
الملاهي، التي هي ملاذ الأطفال، تتحول هنا إلى مصيدة، حيث الألوان المبهجة تصبح مصدر تهديد، بينما تفاصيل العالم من حولها، مثل المستشفيات والحافلات، تجعلها تشعر بأنها محاصرة، فالأمور مهيأة فقط للكبار، لتجد نفسها في صراع مرير مع واقعها.
اختيار مهنة الرقص للأم يسلط الضوء على الوحدة والعزلة التي تعيشها هي وابنتها، حيث تتجلى هذه الوحدة في وقت الأزمات، فالطفلة تصبح السند الوحيد لوالدتها، وتواجه بمفردها الجفاء الاجتماعي، مما يجعلها تتجرد من الدعم الإنساني وتتحمل كل الأعباء. ومع سرقة حقيبتها، تتضح معالم الخذلان، حيث تفقد كل أمل في إنقاذ والدتها، وتصبح ضحية لمجتمع تركها تقاتل وحدها.