منذ عام 2007، وهو العام الذي شهد إطلاق أول هاتف آيفون، لوحظ انخفاض ملحوظ في معدلات المواليد على مستوى العالم، وهو اتجاه أثار تساؤلات عديدة بين الخبراء حول الأسباب الكامنة وراءه، حيث اعتبرت عوامل مثل الأزمة المالية العالمية وارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أنماط التعليم والعمل من بين الأسباب المحتملة، إلا أن فرضية جديدة بدأت تتبلور حول تأثير الهواتف الذكية في هذا التوجه.

تشير دراستان أمريكيتان حديثتان، إحداهما نُشرت عبر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية والأخرى في مايو الماضي، إلى وجود علاقة بين انتشار الهواتف الذكية وتراجع الخصوبة، حيث تسعى هذه الدراسات لفهم أحد أكبر التحولات السكانية التي شهدها العقدان الأخيران.

خلصت دراسة نُشرت في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى أن هاتف آيفون ساهم في انخفاض معدل الخصوبة بنسبة تصل إلى نصف المعدل بين عامي 2007 و2011، وكانت التأثيرات الأكثر وضوحًا بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، حيث كانت هواتف آيفون متاحة عبر شبكة اتصالات واحدة، وهي AT&T، مما أتاح للباحثين مقارنة المقاطعات الأمريكية التي كانت تتمتع بتغطية جيدة لهذه الشبكة مع تلك التي كانت تعاني من نقص التغطية خلال تلك الفترة.

وجد الباحثون أن توفر هواتف آيفون مرتبط بانخفاض معدلات المواليد بنسبة تتراوح بين 4.5 و8٪ في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عامًا، وبنسبة تتراوح بين 3.2 و6.6٪ في الفئة العمرية من 20 إلى 24 عامًا، كما لوحظت انخفاضات أقل، وإن كانت ذات دلالة إحصائية، بين النساء الأكبر سنًا، وأكد الباحثون أن أجهزة آيفون ليست “السبب الوحيد” وراء هذا الانخفاض، ولكن إدخال الهواتف الذكية “لعب دوراً كبيراً” في تغيير سلوك الأفراد من خلال تقليل التواصل الشخصي.

في المقاطعات التي انتشرت فيها هواتف آيفون، أوضح البروفيسور مايرز أن إحدى النظريات تشير إلى أن الشباب بدأوا في التواصل الاجتماعي عبر هواتفهم بشكل أكبر وأقل وجهًا لوجه، مما أدى إلى انخفاض احتمالية ممارستهم للجنس والحمل، كما أضاف مايرز أن هواتف آيفون قد تسهل الوصول إلى المواد الإباحية، مما دفع الشباب إلى استبدالها بالجنس، أو ربما استخدموها للحصول على معلومات أفضل حول تجنب الحمل، بما في ذلك وسائل منع الحمل والإجهاض، وقد اعتبر باحثون لم يشاركوا في الدراسة أن النتائج تبدو مقنعة.

كيف بدأ الربط بين الهاتف الذكي والخصوبة؟

يرى الباحثون أن إثبات علاقة سببية بين التكنولوجيا والخصوبة أمر بالغ الصعوبة، حيث شهدت السنوات الأخيرة أحداثاً متداخلة كثيرة، من أزمات اقتصادية عالمية إلى تغيّر اجتماعي واسع، لكن الدراسة الأولى، التي أعدّتها الخبيرة الاقتصادية كايتلين مايرز من كلية ميدلبوري، اعتمدت على اختلافات انتشار شبكة AT&T في الولايات المتحدة بين 2007 و2011، لقياس تأثير توفر هاتف آيفون على السلوك الإنجابي في المقاطعات المختلفة.

تشير نتائج الدراسة إلى أن المقاطعات التي شهدت انتشاراً أكبر لهواتف آيفون سجلت انخفاضاً في معدلات الخصوبة، خاصة بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً، حيث يُعتقد أن الهاتف قد يكون مسؤولاً عن جزء كبير من التراجع المسجل في تلك الفترة.

تراجع التواصل الواقعي وصعود العالم الرقمي

تفسر الدراسة هذا التراجع بعدة آليات محتملة، أبرزها أن الاستخدام المكثف للهواتف الذكية قلّل من التفاعل الاجتماعي المباشر بين الشباب، مما أثر على العلاقات العاطفية والأنشطة الجنسية، كما تطرح فرضيات أخرى، مثل سهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي، بما في ذلك المواد الإباحية، أو زيادة الوعي بوسائل منع الحمل والإجهاض عبر الإنترنت، وهو ما قد يكون ساهم في تغيير السلوك الإنجابي، ورغم ذلك، يؤكد الباحثون أن الهواتف الذكية ليست العامل الوحيد، بل جزء من مجموعة عوامل اجتماعية واقتصادية متشابكة.

صدمة تكنولوجية عالمية

أما الدراسة الثانية، التي أعدّها باحثان من جامعة سينسيناتي، فقد توسعت في التحليل لتشمل 128 دولة حول العالم، مستخدمة بيانات البنك الدولي حول انتشار الهواتف الذكية ومعدلات الخصوبة لدى المراهقات، حيث أظهرت النتائج نمطاً متشابهاً في دول مختلفة تماماً من حيث الثقافة والاقتصاد والنظم السياسية، مثل إيران والمكسيك وتشيلي وتركيا، حيث تسارع انخفاض معدلات الخصوبة مع انتشار الهواتف الذكية.

كما دعمت الدراسة الفرضية نفسها في الولايات المتحدة من خلال تحليل انتشار الإنترنت عالي السرعة، ووجدت أن المناطق الأكثر اتصالاً شهدت تراجعاً أسرع في معدلات الإنجاب بين المراهقات، وهو ما وصفه الباحثون بأنه “صدمة تكنولوجية عالمية مشتركة”.

جدل علمي حول قوة الأدلة

رغم قوة النتائج، لا يزال عدد من الخبراء متحفظين، حيث يشير بعضهم إلى أن معدلات الخصوبة كانت في انخفاض بالفعل قبل انتشار الهواتف الذكية، خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي في فئات عمرية معينة، كما أشار باحثون آخرون إلى أن بعض البيانات قد تعكس أنماطاً اجتماعية أو اقتصادية غير مرتبطة مباشرة بالتكنولوجيا، مما يجعل فرضية “الهاتف سبب رئيسي” بحاجة إلى مزيد من التدقيق.

أزمة ديموغرافية تتجاوز التكنولوجيا

بعيداً عن الجدل العلمي، تتفق البيانات الدولية على حقيقة واحدة: العالم يشهد انخفاضاً واسعاً في معدلات المواليد، سواء في الدول الغنية أو المتوسطة الدخل، مع استثناءات محدودة في بعض الدول الفقيرة، هذا التراجع يفرض تحديات اقتصادية كبيرة، من شيخوخة السكان إلى تقلص القوى العاملة، مما يدفع حكومات عدة إلى البحث عن حلول عاجلة دون نتائج حاسمة حتى الآن