في مثل هذا اليوم، يحتفل عشاق الفن بذكرى السابعة والسبعين لرحيل نجيب الريحاني، أحد أبرز أعلام المسرح المصري الذي ترك بصمة لا تمحى في تاريخ الإبداع الفني، حيث كان صاحب رؤية فنية متميزة، أسس مدرسة فنية أخرجت العديد من المبدعين الذين ساهموا في تشكيل الهوية الثقافية للبلاد.

ولد الريحاني في حي باب الشعرية لأب عراقي وأم مصرية، نشأ في بيئة تعكس روح الشارع المصري، وكان له كبرياء لا يرضى بالإهانة، عُرف بشجاعته وصراحته في مواجهة الأوضاع السياسية والاجتماعية.

هذا ما كشفت عنه الفنانة الكبيرة ماري منيب في مذكراتها التي نشرتها مجلة الكواكب، حيث تحدثت بوضوح عن تأثير الريحاني في حياتها الفنية، مشيرة إلى أنه لو كانت جدران حجرته قادرة على الكلام لروت الكثير من أسرار السياسة وخفايا الحكم، كما أنها استذكرت مواقفه الجريئة في وجه الفساد، حيث كان له موقف تاريخي عندما ثار لكرامة الفنان المصري في القصر الملكي.

في إحدى الليالي، دُعيت فرقته لتقديم عرض في القصر مع فرقة أجنبية، وعند العشاء لاحظ الريحاني التفاوت في تقديم الطعام، مما دفعه إلى رفض تناول الطعام، معبرًا عن استيائه أمام رجال القصر والخدم، حيث أكد أن الفنان يجب أن يحافظ على كرامته، مما أدى إلى انسحاب الفرقة جميعًا من العشاء، رغم محاولات الاعتذار من رجال القصر، ليؤكد الريحاني أن كرامة الفنان فوق كل اعتبار.

على الرغم من قوته أمام السلطة، كان الريحاني يحمل قلبًا رقيقًا، وتجلى ذلك في صداقته مع الشيخ محمد رفعت، حيث كانت تجمعهما علاقة قائمة على الحب والإخلاص، وكان الريحاني يبكي عند سماع القرآن بصوت الشيخ، ويرفض فتح ستارة مسرحه طالما كان الشيخ يقرأ في الإذاعة.

في فترة مرض الشيخ رفعت، كان الريحاني يحرص على زيارته في “الحنطور” الخاص به، حيث كتب عنه مقالًا يعبر فيه عن تقديره العميق لصوته، مؤكدًا أنه يمثل الخلود، ومشيرًا إلى تأثير القرآن عليه، وكيف أن صوته كان له تأثير عميق على روحه، وعبر عن تقديره للشيخ رفعت كعالم كبير، مشيدًا بعبقريته الفريدة.

رحل نجيب الريحاني عن عمر يناهز الستين عامًا بعد إصابته بمرض التيفويد، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا عظيمًا، حيث ظل اسمه خالداً في ذاكرة المسرح المصري، مقدماً نموذجًا للفنان الملتزم بقضايا وطنه، الحريص على كرامة زملائه، وصاحب القلب المرهف والإحساس الصادق.