في صيف عام 1930، كانت مدينة مونتفيديو في أوروجواي تستعد لاستقبال حدث رياضي غير مسبوق، حيث انطلقت فكرة كأس العالم تحت مظلة الاتحاد الدولي لكرة القدم، لتجمع 13 منتخباً في رحلة نحو تاريخ لم يكن أحد يتوقعه، بعيداً عن الألعاب الأولمبية.

البرازيل وألمانيا يكتبان ملحمة كروية خالدة في تاريخ المونديال

في تلك النسخة الأولى، كانت البرازيل حاضرة بينما غابت ألمانيا عن المشهد الافتتاحي، لم يكن أحد يتخيل أن المنتخب الذي شارك منذ البداية والآخر الذي تأخر ظهوره سيتحولان لاحقاً إلى قوتين رائدتين في تاريخ المونديال، وأن المنافسة بينهما ستصبح عنوان البطولة لعقود طويلة.

بدأت المسابقة بمشاركة سبعة منتخبات من أمريكا الجنوبية هي أوروجواي والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وباراجواي وبيرو وبوليفيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والمكسيك من أمريكا الشمالية، وأربعة منتخبات أوروبية هي فرنسا وبلجيكا ورومانيا ويوغوسلافيا، بينما حُرم منتخب مصر من المشاركة بسبب تأخر رحلته البحرية بسبب عاصفة، ليضيع على القارة السمراء شرف الظهور الأول في البطولة.

وفي 13 يوليو 1930، انطلقت البطولة بمباراتين في التوقيت نفسه، حيث فازت فرنسا على المكسيك بنتيجة 4-1، بينما تغلبت الولايات المتحدة على بلجيكا بثلاثية نظيفة، لتبدأ رحلة البطولة التي تحولت لاحقاً إلى حلم لكل لاعب ومنتخب.

بينما كانت أوروجواي تحتفل بأول لقب عالمي، كانت البرازيل تخوض أولى خطواتها في البطولة دون أن تحقق النجاح المتوقع، أما ألمانيا، فقد بدأت في فرض نفسها كقوة كروية عالمية خلال العقود التالية، لتبدأ واحدة من أعظم المنافسات في تاريخ الرياضة.

ومع مرور السنوات، أصبحت البرازيل وألمانيا عنواناً دائماً للنجاح، فبينما شهدت كأس العالم تتويج ثمانية منتخبات فقط باللقب، تمكن المنتخبان من فرض هيمنتهما على الأرقام القياسية الخاصة بالبطولة، سواء من حيث عدد المشاركات أو المباريات أو الانتصارات أو الأهداف.

تحتفظ البرازيل بمكانة فريدة، إذ تعد الدولة الوحيدة التي شاركت في جميع نسخ كأس العالم منذ انطلاق البطولة عام 1930 وحتى اليوم، وخلال هذه الرحلة الطويلة، نجح منتخب السامبا في حصد خمسة ألقاب أعوام 1958 و1962 و1970 و1994 و2002، ليبقى صاحب الرقم القياسي في عدد مرات التتويج.

في المقابل، رسخت ألمانيا مكانتها كنموذج للاستمرارية والقدرة على المنافسة عبر الأجيال، فقد شارك المنتخب الألماني في 20 نسخة من كأس العالم، ونجح في الفوز باللقب أربع مرات أعوام 1954 و1974 و1990 و2014، ليصبح ثاني أكثر المنتخبات تتويجاً بالمونديال بعد البرازيل.

ولا تقتصر المنافسة بين العملاقين على عدد الألقاب فقط، بل تمتد إلى معظم سجلات البطولة، فالبرازيل تتصدر قائمة أكثر المنتخبات خوضاً للمباريات في كأس العالم برصيد 114 مباراة، بينما تأتي ألمانيا خلفها بـ112 مباراة، مما يعكس مدى التقارب بين المنتخبين اللذين اعتادا الوصول إلى الأدوار المتقدمة.

كما تتفوق البرازيل في عدد الانتصارات بعدما حققت الفوز في 76 مباراة، مقابل 68 انتصاراً لألمانيا، وهي أرقام تؤكد أن المنتخبين كانا الأكثر حضوراً وتأثيراً في تاريخ البطولة.

أما على مستوى الوصول إلى المباراة النهائية، فإن ألمانيا تمتلك رقماً استثنائياً بعدما بلغت النهائي في ثماني مناسبات، ونجح المنتخب الألماني في التتويج باللقب أربع مرات، بينما خسر النهائي في أربع مناسبات أخرى، ما يجعله أكثر المنتخبات ظهوراً في المباراة الختامية.

البرازيل وألمانيا يشعلان أقوى كلاسيكو في تاريخ كأس العالم

في المقابل، وصلت البرازيل إلى المباراة النهائية سبع مرات، وحققت اللقب في خمس منها، مقابل خسارتين فقط، مما يمنحها أفضل نسبة نجاح بين المنتخبات الكبرى في المباريات النهائية.

وخلف الثنائي العملاق تأتي منتخبات أخرى صاحبة تاريخ كبير، إذ وصلت الأرجنتين وإيطاليا إلى النهائي ست مرات لكل منهما، لكنهما لا تزالان بعيدتين عن الأرقام التي حققتها البرازيل وألمانيا على مدار العقود الماضية.

وعندما يتعلق الأمر بالأهداف، يتجدد الصراع بين المنتخبين بصورة أكثر إثارة، فالبرازيل تتربع على قمة قائمة المنتخبات الأكثر تسجيلاً في تاريخ كأس العالم برصيد 237 هدفاً، بينما تلاحقها ألمانيا برصيد 232 هدفاً فقط.

ورغم أن الفارق بينهما لا يتجاوز خمسة أهداف، فإن الهوة تبدو واسعة بينهما وبين بقية المنافسين، فالمنتخب الأرجنتيني، صاحب المركز الثالث، سجل 152 هدفاً فقط، أي أقل بـ85 هدفاً من البرازيل و80 هدفاً من ألمانيا، مما يعكس حجم الهيمنة التي فرضها المنتخبان على البطولة.

وتضم قائمة أكثر المنتخبات تسجيلاً للأهداف أسماء كبيرة مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وإنجلترا وهولندا وأوروجواي والمجر والسويد وبلجيكا والبرتغال وسويسرا والمكسيك، إلا أن أياً منها لم يقترب من الأرقام التي حققها عملاقا المونديال.

ولم تقتصر بصمة البرازيل وألمانيا على الأرقام الجماعية فقط، بل امتدت إلى صناعة أعظم النجوم في تاريخ البطولة، فمن البرازيل خرجت أسماء خالدة مثل بيليه ورونالدو وروماريو وريفالدو ورونالدينيو وكاكا ونيمار، بينما قدمت ألمانيا أساطير مثل فرانز بيكنباور وجيرد مولر ولوثار ماتيوس وميروسلاف كلوزه وتوماس مولر وغيرهم من النجوم الذين تركوا بصمات لا تُنسى.

ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذا الصراع التاريخي، فالبرازيل لا تزال تتربع على عرش الأرقام القياسية، لكن ألمانيا تواصل مطاردتها في معظم السجلات، وسط منافسة مستمرة منذ عشرات السنين.

ومن النسخة الأولى التي شهدت مشاركة البرازيل وغياب ألمانيا، إلى النسخة المقبلة التي يدخلها المنتخبان ضمن أبرز المرشحين للمنافسة، تستمر واحدة من أعظم الحكايات في تاريخ كرة القدم، حكاية صراع لم يحسمه الزمن، ولا تزال فصوله تُكتب في كل نسخة جديدة من كأس العالم، بين منتخبين تحولا إلى مرادف للمجد الكروي العالمي.