أكد الباحث هشام النجار المتخصص في شؤون الإرهاب والفكر الديني بمركز الأهرام للدراسات أن ملف جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا انتقل خلال السنوات الأخيرة من الجدل الأكاديمي والسياسي إلى قلب النقاشات المرتبطة بالأمن القومي الأوروبي ومستقبل الهوية الوطنية.
وقال إن القارة الأوروبية التي تعاملت لعقود مع الجماعة باعتبارها جزءا من التعددية الدينية والثقافية بدأت تراجع هذه الفرضية تحت ضغط صدمات أمنية واجتماعية وسياسية متراكمة.
شبكات نفوذ طويلة المدى
وأوضح أن التنظيمات الإسلاموية العابرة للحدود استطاعت توظيف المناخ الديمقراطي الأوروبي لتأسيس شبكات نفوذ طويلة المدى داخل المجال العام عبر العمل الخيري والدعوي والحقوقي والإعلامي والتعليمي بما تجاوز النشاط الديني التقليدي إلى بناء مجتمعات موازية ذات مرجعية أيديولوجية مغلقة.
وأضاف أن التحول الأوروبي الأخير في موقف البرلمان الأوروبي جاء أيضا في سياق انهيار أوسع أصاب المشروع السياسي لجماعة الإخوان على المستوى الإقليمي بعد مرحلة الربيع العربي.
تراجع المشروع الإخواني إقليميا
وأشار النجار إلى أن الجماعة بدت في لحظة ما وكأنها تقترب من تحقيق حلم تاريخي بالتمكين السياسي والسيطرة على المجال العام العربي عبر صناديق الاقتراع مستفيدة من السيولة الثورية والدعم الإقليمي والدولي الذي رأى الإسلام السياسي خيارا قابلا للتوظيف والاستيعاب.
لكن التجربة العملية للحكم خصوصا في مصر كشفت هشاشة تلك الرهانات وأظهرت الفجوة بين الخطاب الدعوي الذي روّجت له الجماعة لعقود وبين قدرتها الفعلية على إدارة الدولة الحديثة والتعامل مع تعقيدات المجتمع الوطني ومؤسسات الدولة وتوازنات الإقليم.
مراجعة أوروبية متصاعدة
ومع سقوط التجربة الإخوانية في مصر وتراجع موجة الإسلام السياسي في أكثر من ساحة عربية دخل التنظيم الدولي مرحلة ارتباك بنيوي غير مسبوقة حيث خسرت الجماعة مركزها الرمزي والتنظيمي الأهم وتعرضت شبكاتها الإقليمية لضغوط هائلة كما أصيبت بيئتها الحاضنة بحالة إنهاك سياسي واقتصادي وأمني.
وخلال العقود الماضية بنت الجماعة داخل أوروبا بنية معقدة من المؤسسات والجمعيات والمراكز الثقافية والهيئات الطلابية والمنظمات الحقوقية والخيرية مستفيدة من طبيعة النظام الليبرالي الأوروبي الذي يمنح المجتمع المدني مساحة واسعة للحركة.
- العمل الخيري والدعوي والحقوقي والإعلامي والتعليمي
- بناء مجتمعات موازية ذات مرجعية أيديولوجية مغلقة
- استفادة من مساحة الحركة الواسعة للمجتمع المدني الأوروبي
وقال إن قطاعات واسعة من النخب الأوروبية تعاملت مع هذه الشبكات باعتبارها ممثلا طبيعيا للمسلمين في أوروبا أو شريكا يمكن الاعتماد عليه لضبط المجتمعات المسلمة ومنع انجرافها نحو التنظيمات العنيفة غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذه المقاربة كانت سطحية وتعتمد على فهم محدود لبنية الإسلام السياسي وآليات اشتغاله طويلة المدى.
وأضاف أن أجهزة الأمن الأوروبية بدأت تكتشف تدريجيا أن جزءا من هذه الشبكات يتحرك وفق تصور يقوم على بناء فضاء مواز يعيد تشكيل الهوية الدينية والثقافية والاجتماعية لمسلمي أوروبا بصورة منفصلة عن الإطار الوطني الجامع وليس وفق منطق الاندماج الكامل داخل الدولة الوطنية الحديثة.
وختم بأن السنوات المقبلة ستشهد انتقال النقاش الأوروبي من سؤال هل تمثل جماعة الإخوان خطرا إلى سؤال أكثر تعقيدا يتعلق بكيفية حماية المجتمعات الديمقراطية من التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود دون الإضرار بالحريات العامة أو خلق بيئات تمييز تدفع نحو مزيد من التطرف.


