في ظل التحديات المتزايدة الناتجة عن التغير المناخي ونقص الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، يطرح سؤال ملح حول قدرة الزراعة التقليدية على تلبية احتياجات الأمن الغذائي في العقود المقبلة، حيث أصبح هذا السؤال محورًا رئيسيًا في السياسات الزراعية العالمية، خصوصًا في الدول الجافة وشبه الجافة التي تعاني من ضغوط متزايدة على المياه والطاقة والأراضي الزراعية، ورغم الدور المحوري الذي لعبته الزراعة التقليدية في تأمين الغذاء لعقود، فإن محدودياتها البيئية والاقتصادية دفعت الخبراء للبحث عن نماذج إنتاج أكثر كفاءة واستدامة.

الزراعة المحمية… إنتاج أعلى بموارد أقل

مع مواجهة هذه التحديات، اتجهت العديد من الدول نحو الزراعة المحمية من خلال البيوت البلاستيكية والأنفاق الزراعية، حيث تعد هذه النماذج وسيلة فعالة لزيادة كفاءة استخدام الموارد وتحسين الإنتاجية، وتعتمد الزراعة المحمية على توفير بيئة إنتاج يمكن التحكم في درجات حرارتها ورطوبتها وظروفها المناخية، مما يتيح زراعة المحاصيل خارج مواسمها الطبيعية وتقليل تأثير الظروف الجوية القاسية مثل الصقيع وموجات الحر والعواصف الرملية، وتفيد التقديرات المتخصصة بأن الزراعة المحمية قد توفر ما بين 50 إلى 80 % من المياه مقارنة بالزراعة المكشوفة، خاصة عند استخدام أنظمة الري بالتنقيط، كما يمكن أن ترتفع الإنتاجية لكل متر مربع بمعدل يتراوح بين 3 إلى 5 أضعاف، وفقًا لنوع المحصول والتقنيات المستخدمة، ولا تقتصر الفوائد على زيادة الكميات المنتجة، بل تشمل أيضًا تحسين جودة المنتج وتقليل الفاقد وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والدولية.

إنتاج أكثر استقرارًا

يؤكد إبراهيم العزازمة، أحد المزارعين الذين يعملون في البيوت المحمية، أن الإنتاج أصبح أكثر استقرارًا وجودة، مما أدى إلى زيادة العائد الاقتصادي، كما توفر الزراعة المحمية فرصًا لإنتاج محاصيل ذات قيمة مضافة عالية، مثل الخضراوات العضوية والأعشاب الطبية والفواكه التصديرية، مما يعزز الصادرات الزراعية ويقلل من فاتورة الاستيراد الغذائي.

الزراعة العضوية… استثمار بصحة الإنسان والتربة

يشير د. فاضل الزعبي، خبير الأمن الغذائي، إلى أن الزراعة العضوية تركز على استدامة النظام الزراعي وصحة الإنسان والبيئة، حيث تعتمد على تقليل أو منع استخدام الأسمدة والمبيدات الصناعية، والاعتماد على التسميد العضوي والدورات الزراعية والمكافحة الحيوية للآفات، مما يعزز خصوبة التربة ويحافظ على التنوع البيولوجي، وتؤكد الدراسات البيئية أن التربة العضوية أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمياه والكربون، مما يساهم في التخفيف من آثار التغير المناخي وتحسين مقاومة الجفاف، كما أن تقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة يقلل من تأثر القطاع الزراعي بتقلبات الأسعار العالمية وسلاسل التوريد، ومن الناحية الصحية، يزداد الطلب العالمي على المنتجات العضوية بسبب انخفاض متبقيات المبيدات فيها وارتفاع معايير السلامة الغذائية، ويقدر حجم سوق المنتجات العضوية عالميًا بمئات المليارات من الدولارات، مع نمو متواصل سنويًا، مما يفتح فرصًا اقتصادية مهمة أمام الدول القادرة على دخول هذا السوق.

الزراعة العضوية المحمية

رغم أهمية كل من الزراعة العضوية والزراعة المحمية بشكل منفصل، فإن الاتجاه الأكثر تقدمًا اليوم يتمثل في دمج النظامين ضمن ما يعرف بـ”الزراعة العضوية المحمية”، حيث يجمع هذا النموذج بين كفاءة استخدام المياه والطاقة داخل البيوت المحمية وإنتاج غذاء صحي وآمن وفق المعايير العضوية، مما يسمح بالتحكم الأفضل بالآفات وتقليل استخدام المبيدات وتحقيق إنتاج مستقر على مدار العام، ويعتبر هذا النظام من “أفضل الممارسات الزراعية” بالمناطق الجافة ومحدودة الموارد، لأنه يحقق توازنًا بين الإنتاجية والاستدامة البيئية، كما يمكن أن يساهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي الغذائي، خاصة في الخضراوات والفواكه الطازجة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في ظل اضطرابات الأسواق العالمية، اقتصاديًا، يوفر هذا التحول فرصًا جديدة للاستثمار الزراعي والتكنولوجيا الخضراء، ويفتح المجال أمام شركات ناشئة متخصصة في أنظمة الري الذكية والطاقة الشمسية والتقنيات الزراعية الحديثة، ومع ذلك، فإن التحول نحو الزراعة العضوية المحمية يواجه تحديات، منها الكلفة الأولية لإنشاء البيوت المحمية التي لا تزال مرتفعة نسبيًا، خاصة للمزارعين الصغار، كما أن الزراعة العضوية تتطلب خبرات فنية متخصصة وفترة انتقالية قد تنخفض خلالها الإنتاجية مؤقتًا، إضافة إلى ذلك، تواجه المنتجات العضوية تحديات مرتبطة بالحصول على شهادات الاعتماد والتسويق والوصول للأسواق التصديرية.

يعتبر العديد من الخبراء أن هذه التحديات ليست مستحيلة الحل، حيث يدعون لتبني سياسات حكومية داعمة تشمل تقديم قروض ميسرة ودعم إنشاء البيوت المحمية وتوسيع برامج التدريب والإرشاد الزراعي وتشجيع البحث العلمي في مجالات الزراعة الذكية والمستدامة، كما يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير أصناف نباتية ملائمة للزراعة العضوية المحمية، وأكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف، ويتطلب نجاح هذا التحول شراكة حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمزارعين والمؤسسات البحثية، بحيث يصبح الأمن الغذائي جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية والبيئية الشاملة.