تتزايد الدعوات التي تلقيتها مؤخرًا للحديث عن تجربتي في كتابة السيناريو بعد أن تم توثيق عدد من أعمالي لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهو ما يعكس أهمية هذا الفن في الثقافة المعاصرة ويدفعني للتفكير في مسيرتي الإبداعية التي بدأت منذ زمن بعيد.

رغم أنني كنت أتوقع الرد على تلك الدعوات بثقة، إلا أنني وجدت نفسي في حالة من التردد، إذ كان هناك سؤال يراودني: هل هذه هي تجربتي الأولى حقًا، أم أن هناك تجارب سابقة دفنتها ذاكرتي ولم أستعد لها بعد؟

تركت السؤال مفتوحًا، وابتعدت قليلًا عن التفكير فيه، مشغولة بأعمال أخرى، في انتظار أن تأتي الإجابة من أعماق اللاوعي، ذلك المكان الغامض الذي يحمل الكثير عن ذواتنا.

وبالفعل، جاءتني الإجابة عندما تذكرت مقالًا قديمًا كتبته قبل عشرين عامًا في صحيفة «الرياضية»، حيث أعلنت عن رغبتي في كتابة الدراما التلفزيونية من خلال مسلسل يحمل عنوان «أنا حرة»، وفيما كنت أفتش في أدراجي، عثرت على سيناريو قديم يعلوه الغبار بعنوان «بياعة الورد»، بالإضافة إلى أوراق لم تكتمل من أعمال أخرى مثل «أمينة» و«عزة وحسن».

عندها فقط أدركت أن حكاياتي تعود لأعوام مضت أكثر مما كنت أعتقد، فقد كانت تلك الأعمال آخر محاولاتي الجادة في عام 2019، لكنها لم تجد طريقها إلى النور وظلت حبيسة الورق، ترافقها غصة خفية، إذ كانت قصصًا لم تكتمل وتجارب لم تنضج بما يكفي لتقف على قدميها.

لكن الغريب أنني كنت أكتب دون أن أفكر في الشهرة أو النشر، كان هناك شيء داخلي يدفعني للكتابة، وكانت الشخصيات تستدعيني، فكنت أستجيب لها طائعة وأمنحها من وقتي وفكري ما تحتاجه دون حساب.

ثم جاء أبريل 2026، وأستطيع أن أقول إنه كان قمة تجربتي حتى الآن.

خلال شهر واحد، أنجزت عملين مختلفين تمامًا، الأول سباعية «مهيرة وأميرة وتختخ»، وهو عمل كوميدي خرج من رحم الخيال، ثم تبعته سداسية «حوبة وكوبة»، التي تخللتها أربع حلقات مستوحاة من قصة حقيقية لامرأة تُدعى جليلية، استطاعت أن تهدم عش زوجي لتنشأ من وراء ذلك امرأة جعلت من تدمير النساء الناجحات مشروعًا لحياتها.

عند النظر إلى هذه الرحلة، أكتشف أن تجربتي في كتابة السيناريو لم تكن وليدة لحظة، بل تشبه طفلًا بدأ خطواته الأولى في المهد ثم كبر ببطء حتى بلغ أشده.

أتذكر مشاهدتي لأعمال نجيب محفوظ، حيث كنت أسأل نفسي بدهشة عن كيفية قدرة كاتب واحد على خلق هذا العدد الهائل من الشخصيات ومنح كل شخصية روحًا وصوتًا ومصيرًا مختلفًا.

اليوم، أبدأ في فهم جزء من الإجابة، فالسيناريو ليس مجرد مهنة أو مجموعة قواعد يمكن تعلمها في دورة تدريبية، بل هو موهبة أولًا، ثم قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وخبرة طويلة في مراقبة البشر والحياة، هو فن يحتاج إلى عين تلتقط التفاصيل التي تمر على الناس عابرة وقلب يحتفظ بها حتى يحين موعد تحويلها إلى حكاية.

اليوم أيضًا، أفهم لماذا لم تكتمل بعض تجاربي السابقة، ولماذا اكتملت تجاربي الحالية، فالفرق لم يكن في الفكرة أو الحماس فقط، بل في العمر والخبرة والنضج، فهناك مهن يمكن إتقانها بالدراسة، أما كتابة الدراما فهي من المهن القليلة التي تحتاج إلى حياة كاملة تُعاش قبل أن تُكتب.

لذا، أؤمن الآن أن السيناريست الحقيقي ليس مجرد كاتب يجلس أمام الورق، بل خبير بالحياة وموهوب بالأدب، وقادر على رؤية ما لا يراه غيره من الناس والأحداث، ثم يعيد تقديمه للأجيال في صورة حكاية تبقى أطول من أصحابها.