أخبار

الكربون يعيد تشكيل القوة الاقتصادية العالمية بعد التجارة الحرة

بدأ تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية «CBAM» التي قد تؤثر على الصادرات المصرية وتحوّل ميزتها التنافسية إلى تحدٍ جديد يتعلق بالانبعاثات.

في عام 1994، وقعت 123 دولة اتفاقية مراكش التي أفضت إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية، وكان يُعتقد أن العالم يدخل عصرًا جديدًا من تحرير الأسواق. ومع مرور أكثر من ثلاثة عقود، يبدو أن النظام التجاري العالمي يشهد تحولًا جديدًا، حيث ظهرت حواجز جديدة تعتمد على المعايير البيئية ومتطلبات الاستدامة. اليوم، لم يعد السؤال عن تكلفة إنتاج السلعة، بل عن كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة أثناء إنتاجها وقدرة المنتجين على إثبات ذلك وفق معايير دولية.

تقف آلية «CBAM» في قلب هذا التحول، حيث تنقل تكلفة السياسات المناخية الأوروبية إلى المنتجين خارج الاتحاد الأوروبي، وبدأت المرحلة الانتقالية في أكتوبر 2023، حيث يُطلب من المستوردين الإفصاح عن انبعاثاتهم دون دفع أي رسوم. لكن بدء التطبيق المالي الكامل سيكون في يناير 2026.

تعتبر أهمية CBAM ليست فقط في الرسوم المحتملة، بل في كونها تعبر عن فلسفة اقتصادية جديدة، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تصدير معاييره البيئية إلى شركائه التجاريين، مما يجعل قواعد الإنتاج داخل أوروبا مرجعية أيضًا للدول الأخرى.

تحول جديد في المنافسة

تواجه مصر تحديات جديدة نتيجة لهذه الآلية، حيث تُعتبر صناعة الأسمدة من أكثر القطاعات تأثرًا، وذلك بسبب كونها من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وقد أصدرت معهد التخطيط القومي دراسة توضح تأثير CBAM على صادرات الأسمدة المصرية وتحليل آثارها المحتملة.

توضح الدراسة أن المنافسة لم تعد تدور حول جودة المنتج أو تكلفته فقط، بل تشمل التوافق مع مجموعة من المعايير البيئية والفنية، مما يعيد تشكيل حركة التجارة والاستثمار.

تحديات جديدة أمام الصادرات المصرية

تشير الدراسة إلى أن صادرات الأسمدة المصرية قد تصل قيمتها إلى 11.9 مليار دولار بين عامي 2020 و2024، حيث تمثل نحو 5.6% من إجمالي الصادرات. ومع ذلك، تواجه الصناعة تحديًا كبيرًا، حيث تُشكل الأسمدة النيتروجينية نحو 75.6% من صادرات القطاع، والمنتجات الخاضعة لآلية CBAM تمثل 83% من إجمالي صادرات الأسمدة.

تعتمد معظم عمليات إنتاج الأسمدة في مصر على تقنيات تفرز انبعاثات مرتفعة، مما يجعلها في خطر من زيادة تكلفة النفاذ إلى السوق الأوروبية.

استجابة مرنة

استخدمت الدراسة نموذج ديناميكيات النظم لمحاكاة العلاقات بين الإنتاج والانبعاثات والتكاليف. وتظهر النتائج أن الاستثمار المبكر في التكنولوجيا النظيفة يمكن أن يحول التكاليف إلى استثمار طويل الأجل، مما يعزز القدرة التنافسية بدلاً من أن يكون عبئًا إضافيًا.

تؤكد الدراسة أن القدرة التنافسية لم تعد تقاس بالعوامل التقليدية فقط، بل أصبح سعر الكربون عنصرًا جديدًا في المعادلة الاقتصادية.

مصر في خضم التحول

تحتاج مصر إلى إعادة بناء نموذجها الصناعي ليتوافق مع قواعد الاقتصاد الجديد. تمتلك مصر مقومات عدة مثل الموقع الجغرافي والبنية الصناعية المتنوعة، ولكن النجاح يعتمد على سرعة التحول وجودة المؤسسات.

يجب على الحكومة وضع إطار تشريعي يدعم إزالة الكربون، بينما يتعين على القطاع الخاص رؤية إزالة الكربون كاستثمار لضمان استدامة النفاذ للأسواق.

في النهاية، إن التحديات التي تفرضها آلية CBAM تعكس تحولًا عالميًا في مفهوم التنافسية، مما يتطلب من مصر اتخاذ خطوات فعالة لمواكبة هذا التحول الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى