
تعتبر الجلسات العرفية جزءًا أساسيًا من الهوية المصرية ورافدًا مهمًا للثقافة الاجتماعية التي شكلت حياة المجتمع على مر العصور ورغم تغير الأشكال والأنماط فإن المضمون ظل ثابتًا مستمدًا من عمق الشخصية المصرية القائمة على الحق والعدل والمودة.
شهدت الهوية المصرية خلال العقود الأخيرة تجريفًا ثقافيًا وأخلاقيًا أثر بشكل خطير على هذا التقليد حيث غابت خطة عمل واضحة تتصدى لهذا التمدد وتواجه عوامل الاغتراب التي تتلاعب بقيم النزاهة.
في الماضي كانت للجلسات العرفية مهابة وقوة تأثير بفضل هيبة القائمين عليها وكان “الكبار” هم الأكثر حضورًا وحكمة لكن اليوم تحول المشهد بشكل كبير وأصبحت هذه الجلسات مصدر رزق للعديد ممن يدّعون القدرة على التحكيم دون امتلاك المهارات اللازمة.
خلال إقامتي خارج الوطن ثم عودتي قبل عام، حضرت العديد من هذه الجلسات وصدمت بما رأيت إذ تحولت هذه العادة الأصيلة في كثير من الأحيان إلى وصمة عار في الهوية المصرية حيث يستعين كل طرف بمجموعة من المحكمين يتقاضى معظمهم أجر حضورهم أو مصالح شخصية وبدلاً من تحقيق العدالة ينشب صراع ينتهي غالبًا بظلم الطرف الأضعف.
تستدعي خطورة هذا المشهد تحركًا عاجلًا من أجهزة الدولة لإعادة الانضباط وقطع الطريق على العابثين بهوية الوطن ويتطلب الأمر اختيار عدد من المحكمين وفق شروط صارمة تشمل النزاهة والحياد والسمعة الطيبة على أن تُعلن أسماؤهم للعامة وعدم الاعتداد بأي جلسة أو حكم يصدره أفراد خارج هذه الأسماء.
إن حماية الجلسات العرفية من المتاجرة ليست مجرد تنظيم إداري بل هي معركة لدعم الهوية المصرية واستعادة تاريخ الشرفاء الذين جعلوا من القضاء العرفي ملاذًا للمظلومين.
يجب على الدولة التدخل بفاعلية لإعادة الهيبة لهذه الجلسات بما يتناسب مع اسم مصر وشخصيتها التاريخية.




