لم يكن نصر أكتوبر وليد العبور وحده بل حصيلة سنوات من إعادة بناء الجيش بعد هزيمة 1967 وتماسك الجبهة الداخلية وظهير عربي أسند المعركة.
من الاعتراف بالهزيمة بدأ طريق النصر
بدأ الطريق إلى النصر من الاعتراف بأن ما جرى في يونيو 1967 كان هزيمة حقيقية تستوجب المراجعة لا التبرير ثم انطلقت عملية إعادة بناء القوات المسلحة على أسس العلم والتدريب والانضباط.
وتدرج هذا البناء عبر مراحل متعددة شملت حرب الاستنزاف وتطوير حائط الصواريخ بقيادة الفريق محمد علي فهمي ثم إعداد خطة العبور التي تولتها القيادة العامة وفي مقدمتها الفريق أول أحمد إسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلي والفريق محمد عبد الغني الجمسي.
- تدمير المدمرة إيلات في 21 أكتوبر 1967
- إعادة بناء القوات المسلحة على أسس علمية
- الاستعانة بالمجندين من أصحاب المؤهلات العليا
- ابتكار فتح الثغرات في الساتر الترابي باستخدام مضخات المياه
- خطة خداع استراتيجي أربكت أجهزة استخبارات كبرى
وخلاصة هذا المسار كما قال اللواء محمود البيطار إن مصر لم تنتصر بسلاح أكثر ولكن حين فكرت بصورة أفضل.
الجبهة الداخلية شريك في المعركة
لم يكن الجيش يقاتل في فراغ فقد تحمل المجتمع أعباء اقتصاد الحرب بينما فقدت مصر عائدات قناة السويس وجزءًا من إنتاج النفط والسياحة ومع ذلك ظل الهدف الوطني حاضرًا وواضحًا.
وفي يناير 1972 تشكلت حكومة الدكتور عزيز صدقي بوصفها حكومة الإعداد للحرب وضمت شخصيات من اتجاهات فكرية وسياسية متعددة بما عكس حاجة الدولة إلى الكفاءة والخبرة قبل أي اعتبار آخر.
- الدكتور فؤاد مرسي وزيرًا للتموين والتجارة الداخلية حتى مارس 1973
- الدكتور إسماعيل صبري عبد الله وزيرًا للتخطيط خلال الحرب
- القطاع العام وفر قاعدة إنتاجية للدولة في مرحلة شديدة الحساسية
وأكدت التجربة أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا جانبيًا بل جزء من الأمن القومي لأن الجبهة الداخلية لا تصمد إلا حين يشعر المواطن أن الأعباء موزعة بقدر من الإنصاف.
العمق العربي الذي أسند المعركة
جاء نصر أكتوبر في لحظة شهدت تنسيقًا عربيًا مهمًا بين مصر وسوريا مع دعم عسكري ومالي وسياسي من دول عربية عدة كما استُخدم النفط أداة ضغط على الولايات المتحدة والدول الداعمة للكيان الصهيوني.
هذا العمق العربي لم يكن تفصيلًا هامشيًا بل كان أحد مكونات بيئة النصر ورسالة واضحة بأن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن محيطه العربي والإقليمي.
حدود الرهان على واشنطن وتحديات الحاضر
أثبتت الحرب أيضًا أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطًا محايدًا إذ أقامت جسرًا جويًا ضخمًا لتعويض خسائر الكيان الصهيوني وهو ما يفرض واقعية سياسية تقوم على تنويع العلاقات الدولية وتعميق الروابط العربية والإفريقية والآسيوية وبناء الاعتماد على الذات.
واليوم يعود أكتوبر بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا مجرد ذكرى هل ما زالت شروط النصر قائمة وهل تملك الدولة والمجتمع القدرة نفسها على المراجعة والتماسك وصنع الهدف المشترك.
- تقوية الجبهة الداخلية عبر توسيع فضاء الحريات والحوار
- حماية الطبقات الشعبية من آثار الأزمات وارتفاع الأسعار
- إعادة الاعتبار للإنتاج والدور الاستراتيجي للدولة في القطاعات الحيوية
- سياسة خارجية متعددة البدائل تستعيد الثقل العربي والإفريقي لمصر
ويبقى الدرس الأهم أن أفضل وفاء لأكتوبر ليس الاكتفاء بإحياء الذكرى بل إعادة إنتاج شروطها من علم وكفاءة وعدالة ومشاركة واستقلال قرار حتى يظل العبور ممكنًا كلما واجهت مصر ساترًا جديدًا.


